فرانك ماكنزي والحرب الأخيرة... نهاية وهم القواعد الأميركية الآمنة في الخليج
شفيق طاهر
لا يقرأ الجنرال المتقاعد فرانك ماكنزي، القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية CENTCOM، الحرب الأخيرة مع إيران باعتبارها مجرد اختبار جديد للقوة الأميركية أو الإسرائيلية، بل بوصفها إنذاراً استراتيجياً حول شكل الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط. فالمواجهة، في تقديره، كشفت أن النموذج القديم للقواعد الأميركية الكبيرة والثابتة في الخليج لم يعد ملائماً لعصر الصواريخ الباليستية والمسيّرات والهجمات المركبة. وبحسب ما نقل عنه، يرى ماكنزي أن استهداف القواعد الأميركية في المنطقة أعاد طرح سؤال جوهري، هل تستطيع واشنطن أن تبقي أثمن قدراتها العسكرية على مقربة مباشرة من إيران؟
القواعد الخليجية، إرث من زمن آخر
جوهر تقييم ماكنزي أن القواعد في دول الخليج تمثل، إلى حدٍّ كبير، إرثاً من مرحلة استراتيجية سابقة. فقد بنيت شبكة الانتشار الأميركية في الخليج لخدمة أولويات مختلفة، حماية تدفق النفط خلال الحرب الباردة، ثم إدارة حربي العراق وأفغانستان بعد عام 2001. لكن التهديد المركزي اليوم لم يعد جيوشاً تقليدية أو عمليات تمرد بعيدة، بل قدرة إيران على ضرب منشآت ثابتة وقريبة بالصواريخ والمسيّرات. لذلك وصف ماكنزي وجود مقر القيادة المركزية الأميركية الأمامي على بعد نحو 100 ميل من إيران بأنه تفكير قديم، قائلاً إن أحداً في كامل عقله ما كان ليضعه هناك لو كان التهديد الإيراني الحالي هو الاعتبار الأساسي منذ البداية.

هذا لا يعني أن ماكنزي يدعو إلى انسحاب أميركي من الخليج. على العكس، هو يدعو إلى إعادة توزيع المخاطر. فواشنطن، في رأيه، يجب أن تحافظ على شراكاتها الخليجية، لكنها تحتاج إلى قواعد أقل ثباتاً، وأكثر انتشاراً، وأقدر على الحركة والخداع وإخفاء البصمة الإلكترونية. كما يشدد على أن الاستطلاع الفضائي والتجاري جعل المنشآت العسكرية الكبيرة أهدافاً مرئية، لا يمكن حمايتها بالتفوق الأميركي وحده.
إيران: الصواريخ تغير قواعد الردع
في تقييم ماكنزي، تكمن خطورة إيران اليوم في أنها لم تعد تحتاج إلى سلاح نووي كي تهدد الوجود الأميركي المباشر في المنطقة. فالبرنامج الصاروخي والطائرات المسيّرة يمنحان طهران قدرةً عملياتية يومية على الضغط والردع والاستهداف. ومن هنا تصبح الحرب الأخيرة، بالنسبة إليه، دليلاً على أن الردع لم يعد يقوم على امتلاك الولايات المتحدة قوة ضخمة في المنطقة فحسب، بل على قدرة هذه القوة على البقاء والعمل تحت النار.
هذا التقدير ينسجم مع موقفه من الضربات الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025. في مقابلة قال ماكنزي إن عملية "ميدنايت هامر" بدت ناجحة وإنها ألحقت ضرراً كبيراً، وربما غير قابل للعكس، بالبرنامج النووي الإيراني، لكنه نبه إلى أن تقييم الأضرار يحتاج إلى وقت. لاحقاً، أظهرت تقارير صحافية عن تقييم أميركي جديد أن ضربة فوردو كانت الأشد تأثيراً، بينما لم تتضرر منشأتا نطنز وأصفهان بالدرجة نفسها، ما يعني أن المسألة النووية بقيت موضع تقدير واختلاف.

إسرائيل كخيار عسكري… وتكلفة سياسية
أكثر ما يثير الجدل في طرح ماكنزي هو دعوته إلى نقل جزءٍ من الثقل العسكري الأميركي غرباً، بما في ذلك إسرائيل. حجته هنا عسكرية بالدرجة الأولى، إسرائيل أبعد نسبياً عن بعض التهديد المباشر، وتملك دفاعات جوية متعددة الطبقة، كما تمنح القوات الأميركية مرونة تشغيلية أكبر مقارنة ببعض دول الخليج التي قد تفرض قيوداً على الإقلاع أو العبور أو استخدام المجال الجوي. وقد أشار ماكنزي إلى قاعدة عوفدا ومطار بن غوريون كموقعين يمكن أن يلعبا دوراً في شبكة تمركز أميركية أوسع، إلى جانب الأردن ومصر وعُمان.
لكن أهمية هذه النقطة أنها تكشف البعد السياسي في تقييم ماكنزي. فهو لا يقدم تشخيصاً تقنياً فقط، بل يدفع باتجاه إعادة هندسة الوجود الأميركي في المنطقة. عسكرياً، قد يبدو الابتعاد عن الخليج منطقياً. أما سياسياً، فإن تمركزاً أميركياً أوضح في إسرائيل قد يعمّق صورة واشنطن كطرف مباشر في أي حرب مقبلة، ويزيد حرج شركائها العرب، خصوصاَ في بيئةٍ إقليمية شديدة الحساسية.
لا يقول ماكنزي إن الولايات المتحدة ستغادر الشرق الأوسط، بل إنها مضطرة إلى تغيير طريقة بقائها فيه. فالحرب الأخيرة، في نظره، أسقطت وهماً قديماً، أن القواعد الضخمة القريبة من إيران آمنة لأنها أميركية. الردع المقبل، كما يراه، لن يقوم على الحجم وحده، بل على الانتشار والمرونة والقدرة على الحركة وتقليل الأهداف الثابتة.