فتاح العلوي: ارتفاع أسعار المحروقات بين 40 و65 في المائة يضغط على جيوب المواطنين والحكومة تتدخل بـ1.6 مليار درهم شهريا
أكدت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس، الاثنين 27 أبريل، أن الحكومة واعية تماماً بتداعيات ارتفاع أسعار المحروقات على القدرة الشرائية للمواطنين، مشددة على أن “هذا الارتفاع يؤدي بشكل مباشر إلى زيادة كلفة النقل ونقل البضائع وسلاسل التموين، وبالتالي يؤثر على جيوب المواطنين”، مضيفة أن التعامل مع هذا الوضع “لا يمكن أن يكون فقط بمقاربة رقمية تقنية، بل يجب أن يكون مصحوباً بحس اجتماعي ومسؤولية مالية واقتصادية في الآن نفسه”.
وأفادت الوزيرة أن قراءة تطور الأسعار تقتضي وضعها في سياقها الدولي، موضحة أن “أسعار المحروقات عرفت ارتفاعاً يتراوح بين 40 و65%، مع وصولها إلى مستويات ما بين 100 و110”، وهو ما دفع الحكومة إلى التدخل منذ 15 مارس، حيث “تكلف هذا التدخل حوالي 1.6 مليار درهم شهرياً”، مؤكدة أن هذا الخيار يندرج ضمن “معالجة ظرفية لملف معقد”، في انتظار تسريع التحول نحو الطاقات المتجددة وجلب الاستثمارات الضرورية، معتبرة أن “هذا هو الاختيار الاستراتيجي الذي اشتغلت عليه الحكومة لتأمين المستقبل”.
وفي ردها على انتقادات تتعلق بتركيز سوق المحروقات، أوضحت فتاح العلوي أن “هناك عشرات الشركات في هذا القطاع”، وأن الهيئات المختصة “هي التي تتكلف بدراسة هذا الملف بشكل متكرر”، مذكّرة بأن “هذا السوق تم تحرير أسعاره منذ 11 سنة”، وأن الحكومة، عبر مختلف القطاعات المعنية، “تقوم بمراقبة يومية للأسواق لضمان احترام الأسعار في جميع المناطق”.
ارتفاع رصيد العقار العمومي
وفيما يخص تدبير العقار العمومي، شددت الوزيرة على أن “الرصيد العقاري للدولة ليس ملفاً إدارياً عادياً، بل هو رصيد وطني وملك لجميع المغاربة”، موضحة أن العقار يشكل “رافعة حقيقية لتنزيل البرامج التنموية وتحقيق التوازن المجالي”. وكشفت أن هذا الرصيد “انتقل خلال الفترة ما بين 2020 و2024 من 4 ملايين هكتار إلى 12 مليون هكتار”، أي أنه “تضاعف أربع مرات”، مشيرة إلى أن عملية التحفيظ مستمرة، إذ “لم يتبق سوى أقل من 1% من هذا الرصيد في حاجة إلى التحفيظ”، مع اعتماد “مقاربة متوازنة لمحاربة الاحتلالات غير القانونية”.
وبخصوص ترشيد النفقات العمومية، أوضحت وزيرة الاقتصاد والمالية أن الحكومة “لا تتحدث عن التقشف، بل عن الحكامة الجيدة وترشيد النفقات”، مؤكدة أن “كل درهم من المال العام يجب أن يوجه نحو الأولويات، وعلى رأسها الدولة الاجتماعية والاستثمار والإصلاحات الهيكلية”. وأضافت أن الوزارة بصدد إدخال “منهجية جديدة للبرمجة الميزانياتية للفترة 2027-2029”، تتيح “ربط الاعتمادات المالية بحاجيات المؤسسات ونتائجها، وليس فقط بخطوط عريضة للصرف”، معتبرة أن هذا التوجه من شأنه “تعزيز فعالية الإنفاق العمومي وضمان تحقيق نتائج ملموسة”.
وفي ملف إصلاح أنظمة التقاعد، شددت فتاح العلوي على أن الحكومة اختارت “عدم سلوك الطريق التقني الضيق، بل اعتماد مقاربة تشاركية قائمة على الثقة”، موضحة أن هذا الإصلاح “ليس مجرد أرقام وتوازنات، بل هو ملف اجتماعي وسياسي معقد”. وأكدت أن الحكومة “اشتغلت مع الشركاء الاجتماعيين والنقابات لمدة طويلة، صندوقاً بصندوق، ودخلت في تفاصيل دقيقة”، بهدف الوصول إلى عرض “يكون جاهزاً اجتماعياً ومجتمعياً وسياسياً”.
وأضافت أن الحكومة ترفض “مغالطة المواطنين أو إخافتهم بحلول غير ناضجة”، قائلة: “لن نقدم عرضاً قبل أن يكون جاهزاً بالكامل، لأننا نتحمل مسؤوليتنا أمام المواطنين”، ومشددة على أن الهدف هو “الوصول إلى حلول تضمن استدامة الأنظمة وتوفر حماية للمتقاعدين، خاصة الذين لا يتوفرون على معاشات كافية”، مؤكدة أن هذا الإصلاح “يتطلب شجاعة سياسية وتوافقاً واسعاً، وليس قرارات متسرعة”.
البرنامج الوطني للماء
وفيما يتعلق بتمويل مشاريع الماء، أكدت الوزيرة أن هذا القطاع “لم يعد مجرد قطاع عادي، بل أصبح مسألة أمن وطني وأولوية تنموية وشرطاً للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي”، مشيرة إلى أن المغرب انتقل، بتوجيهات ملكية، “من منطق تدبير الندرة إلى منطق بناء السيادة المائية على المدى الطويل”. وكشفت أن البرنامج الوطني للماء تبلغ كلفته “143 مليار درهم”، في حين ارتفع الغلاف المالي لوزارة التجهيز والماء “من 5.6 مليار درهم سنة 2021 إلى 18 مليار درهم سنة 2025”.
وأوضحت أن هذا المجهود يشمل “بناء السدود وتطوير مشاريع تحلية المياه”، حيث تسعى الحكومة إلى بلوغ “1.7 مليار متر مكعب من المياه المحلاة في أفق 2030، خاصة لتأمين الماء الصالح للشرب”، مع اعتماد “شراكات بين القطاعين العام والخاص”، مؤكدة أن “تعبئة التمويلات لهذا الورش الكبير تظل أولوية قصوى للحكومة”.
وفي سياق تقييم التدخلات الحكومية لمواجهة الأزمة، أفادت الوزيرة بأن الحكومة “أطلقت عدة مبادرات منذ بداية ولايتها لتتبع الأزمات”، من بينها تخصيص “أكثر من 1.2 مليار درهم لدعم المواد الأساسية”، إلى جانب “إصلاح ضريبي يهدف إلى التخفيف من آثار ارتفاع الأسعار”، وكذا “الرفع من الأجور وتتبع الأسواق بشكل يومي”.
وأكدت أن الحكومة “لا تتخذ قرارات سهلة لأنها ترفض رهن مستقبل الأجيال القادمة”، موضحة أن “الإصلاحات يجب أن تكون ممولة بشكل مستدام”، وأنه “لا يمكن إنكار أن ارتفاع الأسعار مرتبط بعوامل دولية وداخلية”، داعية إلى “شرح هذه المعطيات للمواطنين بكل وضوح”، ومشددة على أن “الحكومة تسمع معاناة المواطنين وتتحمل مسؤوليتها بشكل يومي”.
وفي ما يتعلق بالاستثمار العمومي، كشفت فتاح العلوي أنه بلغ “330 مليار درهم”، واصفة هذا الرقم بـ”القياسي”، ومعتبرة أنه يشكل “رافعة أساسية لدعم مختلف جهات المملكة”، خاصة المناطق التي لم تستفد سابقاً بشكل كافٍ من الاستثمارات. وأوضحت أن “ميثاق الاستثمار الجديد يمنح تحفيزات إضافية لهذه المناطق”، في إطار السعي إلى “تحقيق عدالة مجالية حقيقية”.
ميناء الناظور كامتداد لتجربة طنجة
كما أشارت إلى أن البرامج التنموية المندمجة ستوفر “حلولاً خاصة بكل منطقة، بما يسمح بخلق نماذج اقتصادية محلية قادرة على تحقيق التنمية”، مؤكدة أن الهدف هو “توزيع أكثر إنصافاً للاستثمار العمومي”.
وفي معرض حديثها عن المشاريع الكبرى، قدمت مثال ميناء الناظور، معتبرة أنه يمثل “امتداداً لتجربة طنجة الناجحة”، موضحة أن “البنية التحتية التي يتم إنجازها اليوم ستجلب استثمارات خاصة وطنية ودولية”، وأن “هناك طلباً كبيراً من شركات عالمية للاستقرار بهذا المشروع”، ما يعكس “نجاعة سياسة الاستثمار العمومي في تحفيز الاقتصاد”.
وفي ما يتعلق بدعم المقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة، أكدت الوزيرة أن الحكومة تعمل على “تحسين مناخ الأعمال وضمان السيولة”، مشيرة إلى أن آجال الأداء “تم تقليصها إلى حوالي 23 يوماً بالنسبة للإدارات، وأقل من 38 يوماً بالنسبة للمؤسسات والمقاولات العمومية”، مقارنة مع “60 يوماً كحد قانوني”، وهو ما اعتبرته “تقدماً مهماً يساعد المقاولات على الاستمرار وخلق فرص الشغل”.
وأبرزت أن الخزينة العامة للمملكة “تشتغل بشكل متواصل لتسريع الأداءات”، وأن “الرقمنة تلعب دوراً أساسياً في تحسين هذه العملية”، مضيفة أن الحكومة “تدرك أن الأرقام وحدها لا تكفي، لأن المقاولة الصغيرة تحتاج إلى سيولة فعلية وليس فقط مؤشرات إيجابية”.
وفي ردها على الانتقادات المرتبطة بارتفاع أسعار المواد الغذائية، أقرت الوزيرة بوجود “موجة غلاء جديدة”، مرجعة ذلك إلى “توالي سنوات الجفاف، وعودة الفيضانات التي أثرت على آلاف الهكتارات من الأراضي الفلاحية، إلى جانب ارتفاع أسعار المحروقات”، مؤكدة أن هذه العوامل “لا يمكن تجاهلها أو تبسيطها”.
وأضافت أن الحكومة عملت على “ضمان تموين الأسواق بشكل مستمر”، وأنها “رفعت الأجور وسجلت ارتفاعاً قياسياً في المداخيل”، معتبرة أن هذه الإجراءات “لم يشعر بها جميع المواطنين بالشكل الكافي، لكنها تبقى ضرورية في مواجهة الأزمة”.
وشددت على أن المسؤولية المشتركة تقتضي “تقديم الحقيقة للمواطنين”، قائلة: “نحن وأنتم مسؤولون عن شرح الوضع للمواطنين، ولا يمكن أن نختبئ وراء الشعارات”، مؤكدة أن الحكومة “تواصل عملها لمعالجة الاختلالات، رغم صعوبة الظرفية”.