فاعلون يتداولون في توسيع آفاق الشراكة السينمائية بين المغرب وإيطاليا

أجمع مهنيون سينمائيون إيطاليون على أن “التعاون بين دولتهم الأوروبية والمغرب يقدم نموذجاً قابلاً للنظر إليه كأحد أكثر الشراكات الواعدة في حوض المتوسط، بالنظر إلى الرصيد التاريخي والمقومات اللوجستية التي يمتلكها البلدان”، مبرزين أن “الرهان على الإنتاج المشترك صار ضرورة إستراتيجية تفرضها التحولات المتسارعة في الصناعة السينمائية العالمية”.

جاء هذا، صباح السبت، ضمن ندوة بعنوان “لقاءات إيطاليا والمغرب: الإنتاج والتوزيع السينمائي”، انعقدت على هامش مهرجان “لا دولتشي فيتا بموكادور”، الذي يُنظم بمدينة الصويرة. وخلصت التدخلات إلى أن “المغرب، بموقعه الجغرافي وتنوعه الثقافي، يمثل بالنسبة لصناع السينما الإيطالية وجهة نموذجية لإرساء دعائم صناعة سينمائية عابرة للحدود، قادرة على تحويل المواقع الجغرافية إلى منصات للإشعاع الثقافي”.

أكثر من مهرجان

غابرييل ميليتي، المنسق العام للمهرجان، المنظم من طرف جمعية “لا دولتشي فيتا بموكادور”، قال إن الرؤية الكامنة وراء الحدث لا تقتصر على كونه “مهرجاناً” بالمعنى التقليدي، بل هو في جوهره “لقاء” سينمائي يجمع بين الإنتاجين الإيطالي والمغربي، موضحاً أن هذا التلاقي يهدف إلى خلق تفاعل مباشر بين جمهور مدينة الصويرة وصُنّاع الفن السابع، من منتجين ومخرجين وممثلين، ومؤكداً العزم على تعزيز هذا البعد التشاركي في الدورات القادمة.

وأضاف ميليتي، في كلمته خلال الندوة ذاتها، أن هناك لمسة “سحرية” يختبرها الجمهور حينما يلتقي وجهاً لوجه مع الشخصيات التي شاهدها على الشاشة، مشيراً إلى أن تجسيد الحضور المادي للممثلين يمنح التجربة السينمائية عمقاً واقعياً يتجاوز حدود المشاهدة العابرة؛ كما اعتبر أن هذا التواصل الإنساني هو الركيزة الأساسية التي يسعى الحدث إلى تطويرها مستقبلاً.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن هذه المبادرة، بالإضافة إلى أبعادها التقنية والتجارية وفرص التعاون السينمائي بين إيطاليا والمغرب، تحمل رسالة تعليمية جوهرية موجهة للشباب والتلاميذ والطلبة، مورداً أنها تسعى إلى إقناعهم بضرورة تجاوز نمط الاستهلاك السريع للأفلام عبر الهواتف والشاشات الصغيرة، وإدراك أن السينما شكل أعمق يرتكز على المشاعر الإنسانية والتفاعل المباشر.

وقبل أن يعيد الكلمة إلى مسير الندوة حميد باسكيط، المخرج والمنتج المغربي والمدير الفني للمهرجان، أجمل المنسق العام للتظاهرة بأن القوة الحقيقية لهذا اللقاء تكمن في “طابعه الإنساني” وبساطة حجمه، بعيداً عن ضخامة المهرجانات الكبرى، خالصاً إلى أن الهدف ليس المنافسة في الحجم، بل في الحفاظ على هذه الروح القريبة من الناس، والعمل على تطويرها بما يخدم جودة التبادل الثقافي بين البلدين.

فرص قوية

أندريا أغوستيني، رئيس مؤسسة “ماركي” للثقافة (Fondazione Marche Cultura)، أفاد بأن المشاركة في الملتقى السينمائي بموكادور تأتي في سياق إستراتيجية المؤسسة لتعزيز التبادل الثقافي والترويج لإقليم “ماركي” كوجهة سينمائية رائدة، مبرزاً أن “لجنة ماركي للأفلام” تعمل كذراع تنفيذية لدعم صناع السينما، وقد نجحت في إدارة اعتمادات مالية من الصناديق الأوروبية وُجهت في مجملها لدعم الإنتاجات السمعية البصرية.

وأضاف أغوستيني، ضمن مداخلته، أن جاذبية الإقليم لا تتوقف عند الدعم المادي فحسب، بل تمتد لتشمل حزمة من الخدمات اللوجستية والإدارية المتكاملة، مشيراً إلى أن عدداً من الإنتاجات اختارت التصوير في المنطقة بشكل تلقائي ودون طلب دعم مالي مباشر؛ كما أبرز أن المؤسسة توفر تسهيلات واسعة تشمل البحث عن مواقع التصوير، والتنسيق مع السلطات المحلية، وتوفير الأطر الفنية المؤهلة القادرة على تنفيذ أضخم المشاريع العالمية.

كما لفت رئيس مؤسسة “ماركي للثقافة” إلى أن الإقليم استقطب إنتاجات دولية كبرى، من بينها إعلانات عالمية وأفلام لنجوم بارزين، ذاكراً أن المرونة التي يتمتع بها مكنته من استضافة أعمال كان من المفترض تنفيذها في مدن كبرى أخرى، وذلك بفضل التنوع الجغرافي والمعماري الفريد الذي يوفره إقليم “ماركي” لصناع السينما.

وعن آفاق التعاون مع السينمائيين المغاربة كشف أغوستيني عن إمكانية استفادة شركات الإنتاج المغربية من التسهيلات والتحفيزات المتاحة، شريطة تنفيذ جزء من العمل داخل إقليم “ماركي”، مشدداً على أهمية بناء شراكات مع المنتجين المحليين في الإقليم لتنفيذ إنتاجات دولية مشتركة، تتيح لها الولوج إلى برامج الدعم والمشاركة في طلبات العروض والمناقصات التي تطرحها المؤسسة.

وقال المتحدث ذاته إن معايير نيل الدعم وتفضيل المشاريع ترتكز على إبراز الهوية الجمالية للإقليم، وخاصة “القرى التاريخية” التي ينفرد بها “ماركي” كأكثر المناطق الإيطالية احتضاناً لهذه التجمعات العريقة، داعياً السينمائيين إلى استكشاف التنوع الطبيعي للمنطقة، الذي يجمع بين الواجهات البحرية والجبال والمدن الفنية، ومعتبراً أن الاعتماد على الخبرة المحلية وتثمين التراث التاريخي للإقليم يمثل قيمة مضافة أساسية لأي عمل سينمائي.

تقدير متصاعد

لورا ديلي كولي، رئيسة النقابة الوطنية للصحفيين السينمائيين الإيطاليين، قالت إن تظاهرة “الحياة حلوة” ولدت فتية لكنها تشهد تطوراً ملموساً ودينامية متصاعدة، مشيرة إلى أن “الحدث يعكس عمق الروابط الثقافية بين إيطاليا والمغرب”، وتابعت: “المهرجانات السينمائية تبدأ عادة بخطوات هادئة لتتحول بمرور الوقت إلى جسور تواصل عالمية، وهو المسار الذي تنتهجه تظاهرة ‘لا دولتشي فيتا’ في موكادور”.

وسجلت ديلي كولي أن إيطاليا تولي اهتماماً بالغاً للإنتاج السينمائي المشترك وتعتمد سياسة انفتاح واسعة تجاه الشركاء الدوليين، موردةً أن الأقاليم الإيطالية أصبحت تتمتع بحساسية عالية تجاه احتضان الأعمال السينمائية، ولافتةً إلى أن الدولة الإيطالية تظل شريكاً محورياً في الصناعة السينمائية العالمية، مدعومة بتاريخها العريق في هذا المجال وقدرتها على توفير بيئة خصبة لشركات الإنتاج بمختلف أحجامها.

وأردفت المتحدثة ذاته بأن السياسات التمويلية العامة في إيطاليا ركزت خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير على دعم الإنتاجات الدولية المشتركة، ولا سيما مع الفضاءات السينمائية القريبة والناشئة، مبدية تطلعها إلى أن يشمل هذا الزخم التعاوني المغرب في المستقبل القريب، ليكون طرفاً أساسياً في هذه الشراكات التي تعزز حضور السينما المتوسطية وتفتح آفاقاً جديدة للمبدعين من كلا البلدين.

كما أكدت رئيسة النقابة الوطنية للصحفيين السينمائيين الإيطاليين على الدور الحيوي الذي تلعبه السينما في الترويج السياحي للمدن، منبهة إلى أن اختيار مواقع تصوير مغربية لإنتاجات إيطالية حققت نجاحات كبرى يعد مثالاً يحتذى به، وزادت: “النجاح الجماهيري والنقدي لهذه الأعمال يسلط الأضواء الدولية على جمالية المدن المستضيفة، ما يحول الفيلم السينمائي إلى أداة ترويجية فعالة تتجاوز أبعادها الاقتصادية المباشرة لتشمل انتعاش القطاع السياحي وجذب الأنظار لمواقع قد لا تكون معروفة عالمياً”.

وشددت ديلي كولي على ضرورة تعزيز الاتفاقيات التي تجعل من المدن المغربية فضاءات دائمة لاحتضان القصص السينمائية العالمية، خاصة بوجود مخرجين وممثلين قادرين على نقل روح وأجواء هذه المدن ببراعة، خالصة إلى أن الصداقة القوية بين السينما الإيطالية والمغربية تتجسد اليوم في أعمال وثائقية وسينمائية تحتفي بالهوية الثقافية والموسيقية للمغرب، ما يعكس تقديراً إيطالياً كبيراً للموروث الثقافي المغربي.

The post فاعلون يتداولون في توسيع آفاق الشراكة السينمائية بين المغرب وإيطاليا appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress