فاطمة فتوني وآمال خليل... حين تعيد الجماعة إنتاج القسوة من يشمت بمن؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

د. داليا مزهر

 

 

 

الحقيقة التي دفعتنا للتطرق الى هذه الظاهرة أنه مهما تطورت المجتمعات ومهما إنزلقت الاخلاق وتطرفت الأحقاد، لا يمكن إنكار حرمة الموت التي تبقى الآلية الاساسية لحماية المجتمع من القسوة والتوحش، وعندما تنكسر هذه الحرمة لا يتأذى الميت فحسب... بل تتآكل معاييرنا الإجتماعية والاخلاقية نحن كبشر، فتنهدم إنسانيتنا من الصميم، هذا دليل على أن الانسان يموت ولكن لا تموت القسوة والرحمة من قلبه .
الموت ليس ساحة لتصفية حسابات، وكما نقول دوماً في اللسان اللبناني: الموت هو كأس سيمر على كل البشر، وهو مرآة نرى فيها وجوهنا كلنا كما هي. فإذا أخطأ أحدهم بالشماتة، فنحن نعيد الفعل نفسه وننجر وراء هذه الآفة، هذا ما يستدعي منا التوقف عندها من أجل المساهمة في ولادة وعي جديد .
إن في خبر وفاة الصحافيتين اللبنانيتين في فترات متقاربة، لحظة حزينة لامست كل إنسان، لما تحمله مهنة الصحافة من رسالةٍ سامية لتوثيق الألم وحماية الحقيقة من التشويه، وكلاهما كتبتا في مسار حياتيهما سجلاً حافلاً بالنجاحات والتضحيات للمهنة. إلا أنه كما عايشنا هذا الخبر الأليم، بدأت في اليوم التالي من إعلان الخبر، مع فتح الحسابات الالكترونية والأرشيف الرقمي، مظاهر تعبير جماهيرية مغايرة، تعود الى ممارساتٍ مماثلة بالرد والرفض والاستهزاء، منتهكين بذلك حرمتين مقدستين ثابتتين هما حرمة الموت وحرمة المهنة والاخلاقيات المهنية للصحافة، نتيجة مواقف وكلماتٍ كتبت، لعل أخطرها لغة الشماتة بالموت الانساني بالمطلق .
تكلم بيار بورديو عن إعادة إنتاج العنف الرمزي، فالعالم لا يكتفي برفض السلوك السلبي بل يعيد إنتاجه بأشكال أخرى، أي إن رفض الشماتة لا يمنع الناس من ممارستها عندما تتبدل الأدوار، وهنا نصبح أمام دائرةٍ مغلقة أي القسوة تبرر القسوة. وهذا الأمر لا يقتصر على فرد أو إثنين فحسب بل ينتشر ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي. فحين يبدأ أحدهم يلحق به الآخرون وليس بالضرورة عن اقتناع، وهنا يضعف الحكم الفردي أمام ضغط الجماعة .
في هذه النظرة للشماتة بالموت نظن أننا نعيد التوازن والانتقام لصوت العدالة، غير أنها في الواقع تكريس لدرجة القسوة نفسها التي نرفضها وتجرحنا وتهزّ إنسانيتنا. وهذا له علاقة فقط بإحساسٍ داخلي بالانصاف كرد فعل غريزي، لكنه ياللأسف رد فعل عاطفي أكثر منه أخلاقي. ففي الثقافة الانسانية عموماً، هناك حرمة الموت لكنها قد تبدأ بالتآكل الحاد سياسياً واجتماعياً، وفي هذه المرحلة يعاد تعريف "من يستحق التعاطف"؟
سوسيولوجياً إن ما نراه ليس ردة فعل شخص بل مرآة لمجتمع يعيش توتراً وغضباً وإستقطاباً، فالشماتة ليست مجتزأة ونسبية بحسب هوية الضحية، ما يعني أن المعايير الأخلاقية لم تعد ثابتة بل إنتقائية .
ختاماً، إن حرمة الموت وحرمة مهنة الصحافة الحافلة بالعطاء والمواقف والخبرات الطويلة لا تتجزأ، وهذا السلوك مرفوض سواء كان الكترونياً أم واقعياً، وسواء كان من صحافي دوره نقل الكلمة الحق وعدم الانجرار إليه أو من فردٍ كمشاهد في المجتمع، بغض النظر عن أن الإعلامي و الصحافي من المفترض أن يمتلك الوعي المهني العلمي للتأثير بالآخر وبأخلاقه.
فالرقي في لغة الصحافة يرفع خطاب المجتمع ويصلحه .

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية