فاتورة المونديال: من مشروع بناء دولة إلى مشروع تشغيل قارة
قبل أقل من أربع سنوات، كانت الأنظار تتجه إلى الدوحة حيث استضافت قطر أغلى كأس عالم في تاريخ البطولة. أما اليوم، ومع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك في 11 حزيران/يونيو، فإن السؤال لم يعد يتعلق بمن سيحرز اللقب، بل بمدى تغير الاقتصاد الكامن وراء استضافة الحدث الرياضي الأكبر في العالم.
الفارق بين النسختين لا يقتصر على الجغرافيا. فبينما بنت قطر جانباً كبيراً من البنية التحتية اللازمة للاستضافة، تستقبل أميركا الشمالية المونديال وهي تمتلك بالفعل معظم ما تحتاجه من ملاعب ومطارات وفنادق وشبكات نقل. والنتيجة أن المقارنة بين البطولتين تكشف تحولاً مهماً في نهج إنفاق الدول على الأحداث الرياضية الكبرى.
قطر: البطولة بوصفها مشروعاً وطنياً
في قطر، لم تكن البطولة مجرد منافسة كروية، بل جزءاً من رؤية أوسع لإعادة تشكيل الاقتصاد وتعزيز مكانة الدولة مركزاً عالمياً للسياحة والأعمال والخدمات. ولهذا السبب تتراوح التقديرات الأكثر تداولاً للإنفاق بين 200 و220 مليار دولار على مدار اثني عشر عاماً منذ منح الاستضافة عام 2010.
غير أن هذه الأرقام أثارت جدلاً حول ما يجب احتسابه ضمن تكلفة كأس العالم تحديداً. فاللجنة العليا للمشاريع والإرث أشارت إلى أن تكلفة الملاعب الثمانية بلغت نحو 6.5 مليارات دولار، في حين ذهبت الاستثمارات الأوسع إلى مشروعات تشمل مترو الدوحة وشبكات الطرق وتوسعة المطارات والموانئ والفنادق ومشروعات التطوير الحضري المرتبطة برؤية قطر الوطنية 2030. ومن هذا المنظور، يرى مسؤولون قطريون أن جزءاً كبيراً من الإنفاق كان يوجَّه إلى مشروعات تنموية ستُنفَّذ على أي حال. ومع ذلك، يبقى مونديال 2022 الأغلى في تاريخ كأس العالم بفارق كبير عن أي نسخة سابقة.
أميركا الشمالية: استثمار في أصول قائمة
على الجانب الآخر، تبدو صورة مونديال 2026 مختلفة تماماً. للمرة الأولى في تاريخ البطولة، تستضيف ثلاث دول كأس العالم معاً. كما ترتفع المشاركة إلى 48 منتخباً بدلاً من 32، ويقفز عدد المباريات من 64 إلى 104 مباريات.
السبب الرئيسي لانخفاض تكاليف الاستضافة بسيط: أميركا الشمالية لا تحتاج إلى بناء نفسها من أجل البطولة. في الولايات المتحدة، التي تستضيف 11 مدينة من أصل 16، لن يُبنى أي ملعب جديد خصيصاً لكأس العالم. تعتمد البطولة على ملاعب ضخمة مستخدمة بالفعل في دوري كرة القدم الأميركية، مثل ملعب ميتلايف في نيوجيرسي الذي سيستضيف النهائي، إضافة إلى ملعب سوفاي في لوس أنجلوس وملعب إيه تي أند تي في دالاس.
وهو ما أكده بوبي غولدووتر، المدير الأكاديمي لبرنامج الماجستير التنفيذي في العمليات والاستراتيجية الرياضية العالمية بجامعة جورجتاون، والرئيس الأسبق للجنة الرياضة والترفيه في واشنطن، في تصريحات نشرتها الجامعة في أيار/مايو 2026، قائلاً: "لم تُبنَ أي ملاعب خصيصاً للبطولة، في حين اضطرت دول أخرى في مناسبات سابقة إلى الإنفاق بصورة مبالغ فيها على إنشاء منشآت لم تُستخدم بعد كأس العالم إلا قليلاً، كما حدث في البرازيل." وأوضح غولدووتر أن دوافع فيفا وراء هذا الاختيار متعددة: "فيفا تتوقع أرباحاً قياسية جراء هذه التشكيلة من الدول المضيفة في أميركا الشمالية، إذ يصبّ ذلك في صالحها مالياً بالدرجة الأولى، فضلاً عن أن الدول الثلاث تتمتع ببنية تحتية راسخة وملاعب على مستوى عالمي."
ويتركز الإنفاق على تعديلات مطلوبة من "فيفا"، إضافة إلى الأمن والنقل ومناطق المشجعين والخدمات التشغيلية، من دون وجود رقم وطني موحد للإنفاق إذ تتوزع المسؤولية على المدن والولايات المختلفة.
في كندا، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من الناحية المالية. فوفق تقرير مكتب الميزانية البرلماني الصادر في أيار/مايو 2026، يبلغ إجمالي الدعم الحكومي نحو 1.066 مليار دولار كندي (نحو 777 مليون دولار أميركي)، منها 473 مليون دولار كندي (345 مليون دولار أميركي) من الحكومة الفيدرالية، بينما تتحمل الحكومات المحلية والإقليمية نحو 593 مليون دولار كندي (432 مليون دولار أميركي). وبالنسبة إلى دولة تستضيف 13 مباراة فقط في تورونتو وفانكوفر، فإن متوسط الإنفاق الحكومي يبلغ نحو 82 مليون دولار كندي (60 مليون دولار أميركي) للمباراة الواحدة.
أما المكسيك، فتستفيد من خبرتها الطويلة مع البطولة بعد استضافتها عامَي 1970 و1986، وتعتمد على ثلاثة ملاعب رئيسية: أزتيكا في مكسيكو سيتي وبي بي في إيه في مونتيري وأكرون في غوادالاخارا. ويخضع استاد أزتيكا، الذي سيصبح أول ملعب في التاريخ يستضيف مباريات في ثلاث نسخ مختلفة من كأس العالم، لعمليات تحديث تُقدَّر تكلفتها بنحو 150 مليون دولار. وأُعيد افتتاح استاد أزتيكا في 28 آذار/مارس 2026 بمباراة ودية بين المكسيك والبرتغال، بعد إغلاق دام قرابة عامين لأعمال التجديد. وبعد تساؤلات أثارها تأخر الأعمال في مراحلها الأخيرة، أعلن المسؤولون عن جاهزية الملعب لاستضافة مباراة الافتتاح في 11 حزيران/يونيو.
نموذجان اقتصاديان مختلفان
هذا التباين في طبيعة الإنفاق يكشف اختلافاً أعمق بين نموذجين لاستضافة كأس العالم. في الحالة القطرية، كانت البطولة جزءاً من مشروع وطني شامل هدفه تسريع التنمية الاقتصادية والعمرانية. أما في أميركا الشمالية، فإن البطولة أقرب إلى مشروع تشغيل واستثمار لأصول موجودة بالفعل، إذ تمتلك الولايات المتحدة وكندا والمكسيك شبكة واسعة من المطارات الدولية ومئات الآلاف من الغرف الفندقية وملاعب رياضية عملاقة وقطاعاً سياحياً متطوراً.
لهذا السبب، يتوقع الخبراء أن تكون المكاسب الاقتصادية للنسخة المقبلة مرتبطة أكثر بالسياحة والإنفاق الاستهلاكي والخدمات، لا بالبناء والتشييد. وتشير دراسة مشتركة أجرتها منظمة التجارة العالمية و"فيفا" بالتعاون مع مؤسسة Oxford Economics إلى أن البطولة قد تضيف نحو 40.9 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي لأميركا الشمالية، مع دعم نحو 824 ألف وظيفة.
غير أن البروفيسور روب ويلسون، عميد التعليم في كلية UCFB البريطانية المتخصصة في إدارة الرياضة وخبير اقتصاديات كرة القدم، يحذر في تصريحات نشرتها الكلية على موقعها من المبالغة في تقدير العوائد السياحية، مستنداً إلى ما أسماه "تأثير الإحلال"، إذ "يُحجم السياح المعتادون عن الزيارة بسبب الازدحام والأسعار المرتفعة، فيما يُعيد المستهلكون المحليون توزيع إنفاق كانوا سيُنفقونه على أي حال." وأشار إلى أن مونديال قطر 2022 استقطب أكثر من 1.4 مليون زائر، لكن التساؤل الحقيقي يبقى "ما إذا كانت هذه العوائد تتجاوز تكلفة الفرصة البديلة للاستضافة."
وتتباين التقديرات حول أعداد الزوار في 2026 تبايناً واسعاً، إذ تُقدّر Oxford Economics الزيارات الدولية الإضافية للولايات المتحدة وحدها بنحو 742 ألف زائر، بينما تصل بعض التوقعات الأشمل لأميركا الشمالية إلى ما يتجاوز ستة ملايين زائر.
لكن حتى هذه الأرقام لا تحسم الجدل القديم حول جدوى استضافة البطولات الكبرى. ففي كل نسخة تقريباً، تنقسم الآراء بين من يرى في الحدث فرصة لتحفيز الاستثمار والسياحة وتحسين صورة الدول عالمياً، وبين من يشكك في قدرة هذه البطولات على تحقيق عوائد اقتصادية تبرر الإنفاق العام. ويُشير ويلسون إلى السجل التاريخي في هذا الشأن، لافتاً إلى أن "جنوب أفريقيا أنفقت نحو 3.6 مليارات دولار على استضافة مونديال 2010، في حين تجاوزت فاتورة البرازيل 11 مليار دولار عام 2014، وتخطّت روسيا ذلك عام 2018 — وفي معظم هذه الحالات، لم تصمد التوقعات الاقتصادية التي رُوِّج لها أثناء التقديم أمام المراجعة اللاحقة."
ويُضيف غولدووتر بعداً اجتماعياً إلى المعادلة، مشيراً إلى أن سكان المدن المضيفة "كثيراً ما تساورهم مشاعر متضاربة؛ فبينما يرحّب بعضهم بما يجلبه الحدث من اهتمام وأثر اقتصادي، يخشى آخرون الازدحام المروري والإزعاج الذي يصاحب الأحداث الكبرى، فضلاً عن أسعار التذاكر ووسائل النقل المرتفعة." وضرب مثلاً بسوق نيوجيرسي حيث قرر "فيفا" إلغاء مواقف السيارات للجمهور العام قرب ملعب ميتلايف، ما أثار موجة من الانتقادات.
مع ذلك، تبقى المقارنة بين قطر 2022 وكأس العالم 2026 ذات دلالة خاصة: الأولى استخدمت كأس العالم لتسريع بناء دولة حديثة، والثانية لاختبار قدرة قارة كاملة على توظيف ما تملكه. وكما يُلخّص ويلسون المعادلة: "الأحداث الكبرى لا يجب أن تُصمَّم لصنع معجزات اقتصادية، بل لتضخيم الأسس الاقتصادية القائمة أصلاً. فالدول التي تمتلك استراتيجية إرث واضحة قد تجد في البطولة رافعة تحويلية، أما تلك التي تسعى وراء البريق دون تخطيط فستجد نفسها أمام مسرحية باهظة الثمن." قطر بنت بلداً جاهزاً لكأس العالم، بينما تعمل أميركا الشمالية على تكييف بنية قائمة لاستيعابه.
خمس حقائق رئيسية
- بلغت تقديرات الإنفاق المرتبط بكأس العالم 2022 في قطر نحو 220 مليار دولار على مدار 12 عاماً منذ منح الاستضافة عام 2010، ما يجعله الأغلى في تاريخ البطولة.
- لم تتجاوز تكلفة الملاعب الثمانية في قطر نحو 6.5 مليارات دولار وفق اللجنة العليا للمشاريع والإرث، بينما ذهب الجزء الأكبر من الإنفاق إلى البنية التحتية والتطوير الحضري.
- لن تُبنى ملاعب جديدة خصيصاً لكأس العالم 2026 في الولايات المتحدة، إذ تعتمد البطولة على منشآت رياضية قائمة.
- تقدر كندا إنفاقها الحكومي على البطولة بنحو 1.066 مليار دولار كندي (777 مليون دولار أميركي) لاستضافة 13 مباراة في تورونتو وفانكوفر، وفق مكتب الميزانية البرلماني.
- تشير دراسة Oxford Economics بالتعاون مع فيفا ومنظمة التجارة العالمية إلى أن كأس العالم 2026 قد يضيف نحو 40.9 مليار دولار إلى ناتج أميركا الشمالية ويدعم قرابة 824 ألف وظيفة.