“غزوة” حزب الأصالة والمعاصرة بالصحراء
اختار حزب الأصالة والمعاصرة أن يطلق إشارة البداية لحملته الانتخابية، من خلال لقاءات جهوية خصصت للإعلان عن أسماء مرشحيه بكل جهة.
اللافت ان لقاءه بجهة الداخلة وادي الذهب الذي انعقد يوم الجمعة 10 يوليوز 2026، لم يكن ذلك مجرد لقاء تنظيمي للإعلان عن مرشحيه بالأقاليم الجنوبية، بل كان استعراضا للقوة ورسالة سياسية لها عنوان هو أن الطريق إلى موقعة شتنبر يمر عبر استقطاب كبار “اللاعبين”.
في هذا اللقاء، لم يكن الخبر الأبرز فيه هو أسماء المرشحين، وإنما أسماء الملتحقين، اولهم رئيس جهة الداخلة الخطاط ينجا الذي غادر حزب الاستقلال إلى حزب الجرار، وثانيهم برلماني طرفاية عبد الحي حرطون الذي غادر التجمع الوطني للأحرار وامتطي الجرار، ومعهما منتخبون آخرون، إضافة إلى الإعلان عن عودة أحد أبرز أعيان الصحراء إلى بيت الأصالة والمعاصرة، ويتعلق الأمر بالجماني احد اقطاب الصحراء، وبلغة السياسة الانتخابية، بدا لقاء الداخلة أشبه بغزوة ناجحة عاد منها حزب الأصالة والمعاصرة محملا بالغنائم.
قد يختلف المتتبعون في تقييم هذه العملية، لكن لا أحد يستطيع إنكار أنها ستعيد ترتيب موازين القوى في الصحراء، وأنها قد تمنح حزب الأصالة والمعاصرة أفضلية حقيقية قبل انتخابات شتنبر 2026، فالانتخابات في المغرب عادة لا تحسم يوم الاقتراع فقط، بل تحسم أيضا في الأشهر التي تسبقه، وذلك عندما يُفهم أن هناك محاولات رسم الخريطة الحزبية، وإعادة توزيع مراكز النفوذ، ويبدأ هذا الحسم باستقطاب المنتخبين، وخاصة “الكبار”.
لكن في المقابل، يبرز سؤال اخر لا يراد له أن يُطرح، وهو ماذا تربح الديمقراطية المغربية من كل هذا؟
من المؤسف أن يتحول الترحال الحزبي إلى عنوان دائم لكل محطة انتخابية، إذ من المفروض أن تكون الأحزاب مدارس للأفكار، ومحاضن للمشاريع، ومؤسسات تؤطر المواطنين على أساس البرامج والقناعات، أما عندما يصبح الحزب مجرد محطة إيواء مؤقتة، يغادرها المنتخب بمجرد أن يلوح له أفق انتخابي أفضل، فإننا نكون أمام أزمة في معنى الانتماء السياسي، لا أمام حيوية سياسية.
التطور الديمقراطي يفرض ان الناخب عندما يصوت لمرشح باسم حزب معين، فإنه لا يصوت لاسمه فقط، بل يمنح ثقته لبرنامج ورمز وهوية سياسية، وعندما يستيقظ بعد أشهر ليجد المنتخب نفسه يرتدي لونا حزبيا آخر، فمن حقه أن يتساءل لمن كان صوته ولأي مشروع ذهبت إرادته.
المدافعون عن هذه الانتقالات يسمونها حرية سياسية، لكن الحرية شيء، وتحويل الأحزاب إلى محطات عبور موسمية شيء آخر، لأن الحرية الحزبية لا ينبغي أن تكون على حساب احترام الإرادة الشعبية، ولا على حساب بناء أحزاب مستقرة ذات هوية واضحة أمام المواطنين.
والأسوأ المشهد ليس أن حزبا كسب منتخبين إضافيين، وإنما أن السياسة تخسر مرة أخرى معناها، لأنه عندما يصبح الانتقال بين الأحزاب أمرا عاديا، دون مراجعات فكرية أو اختلافات سياسية معلنة، يترسخ لدى المواطنين اقتناع بأن البرامج لا قيمة لها، وأن الانتخابات ليست تنافسا بين المشاريع، بل سباقا بين شبكات ومراكز النفوذ.
قد يكون حزب الأصالة والمعاصرة قد حقق نصرا انتخابيا مبكرا في الصحراء، لكن على الجميع ان يتساءل كم خسرت الحياة السياسية المغربية وهي ترى الترحال الحزبي يتحول من استثناء إلى قاعدة، ومن حدث يثير النقاش إلى ممارسة عادية لا تثير حتى الاستغراب.
وفي هذا السياق، لا يمكن حصر النقد في حزب الأصالة والمعاصرة وحده، لأن الظاهرة تكاد تشمل أغلب الأحزاب، فقد سبق لحزب التجمع الوطني للأحرار أن بنى جزءا مهما من صعوده الانتخابي سنة 2021 على استقطاب الأعيان والفاعلين الانتخابيين من مختلف المشارب، حيث جمع تحت سقف واحد كل من يملك القدرة على الفوز، بصرف النظر عن الخلفية السياسية أو المرجعية الفكرية.، والنتيجة أن الأغلبية التي أفرزتها انتخابات الثامن من شتنبر العجيبة، بدت في نظر كثيرين، ثمرة لتجميع النفوذ أكثر منها ثمرة لتنافس البرامج، وهو ما انعكس لاحقا على طبيعة المشهد السياسي برمته.
إن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى أحزاب قوية، بل تحتاج قبل ذلك إلى أحزاب تحترم نفسها، وإلى نخب تحترم تعاقدها مع الناخبين، أما إذا استمرت “الغزوات” الانتخابية على هذا النحو، فقد نستيقظ بعد كل انتخابات على خريطة حزبية جديدة، لكننا سنجد الثقة في السياسة قد تراجعت خطوة أخرى إلى الوراء.