غزة ومعادلة السلاح
يدخل قطاع غزة مرحلة قد تكون مختلفة عما عرفه منذ سيطرة حركة "حماس" عليه عام 2007. فالاتفاق الذي أعلنه مجلس السلام بشأن سلاح الحركة والفصائل الأخرى يتجاوز مسألة نزع السلاح أو تخزينه، ويفتح الباب أمام تغيير أوسع في طريقة إدارة القطاع. وتشمل الترتيبات المطروحة انتقال المسؤولية المدنية والأمنية إلى إدارة فلسطينية، وبدء انسحاب إسرائيلي تدريجي، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار وعودة الحياة.
غير أن الطريق إلى ذلك لا يزال معقداً. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث عن نزع كامل لسلاح "حماس"، بينما جدّدت الحركة التزامها بخريطة الطريق والبنود الـ15 المتفق عليها، مع تمسكها بصيغة تخزين السلاح وربط تنفيذها بالتزامات إسرائيل. أما الموقف الإسرائيلي فيرفض الاتفاق بصيغته الحالية ويتمسك بتفكيك القدرات العسكرية للحركة قبل الانسحاب. وبذلك أصبح ترتيب التنفيذ جوهر الخلاف، بين معالجة ملف السلاح بالتزامن مع الانسحاب، والمطلب الإسرائيلي بنزعه قبل أي انسحاب.
وتبدو المراجعة المطلوبة من "حماس" أكبر من الخلاف على تعريف السلاح ومصيره. فتجربة حكم غزة انتهت إلى واقع لا يمكن تجاهله بعد حرب دفع الفلسطينيون أثمانها وخلفت دماراً واسعاً في القطاع. وتفرض المرحلة على الحركة التخلي عن سلطة فرضتها بقوة السلاح، وإفساح المجال أمام إدارة فلسطينية تتولى مسؤولية القطاع. فانتقال الإدارة المدنية مع بقاء قرار عسكري مستقل سيعيد إنتاج المشكلة نفسها.
تغيرت أيضاً أولويات شعب غزة. فبعد ما خلفته الحرب من خسائر في المنازل ومصادر الرزق، تتقدم الحاجة إلى الأمن والعلاج والتعليم وإعادة بناء المدن. وهذه الاحتياجات تتطلب إدارة فلسطينية مهنية تستطيع التعامل مع المجتمع الدولي وإدارة أموال الإعمار واستعادة الخدمات. ومن الصعب مطالبة الدول بتمويل إعادة البناء فيما يبقى احتمال العودة إلى الحرب قائماً أو تتعدد الجهات التي تملك القرار الأمني.
وتقع على إسرائيل مسؤولية أساسية في إنجاح المسار. فالانسحاب ووقف العمليات العسكرية وتنفيذ الالتزامات المقابلة عناصر ضرورية لإنجاح أي ترتيبات أمنية جديدة. وتزيد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة من تعقيد الموقف، إذ يواجه نتنياهو ضغوطاً من اليمين الرافض للانسحاب، مقابل حرصه على تجنب خلاف مع ترامب حول اتفاق يقدمه الرئيس الأميركي باعتباره إنجازاً مهماً. واستمرار الاستيطان وفرض الوقائع في الضفة الغربية، إلى جانب إعلان نتنياهو رفض قيام دولة فلسطينية، يقوّض أيّ مسار نحو مستقبل سياسي للفلسطينيين.
ويبقى لمجلس السلام والولايات المتحدة دور أساسي في دفع الاتفاق نحو التنفيذ. فالضغوط الأميركية أسهمت في الوصول إلى تفاهم بشأن سلاح "حماس"، والمطلوب أن تمتد إلى ضمان التزام جميع الأطراف بتعهداتها. فنجاح الاتفاق يعتمد على قدرة واشنطن على التعامل بالقدر نفسه من الحزم عندما يتعلق الأمر بالتزامات "حماس" أو إسرائيل.
ولا تنفصل تجربة غزة عن خطر السلاح خارج سلطة الدولة وقرارها. فقد تحملت المنطقة كلفة كبيرة نتيجة امتلاك جماعات مسلحة قرار الحرب والسلم، وكثير منها ارتبط بمشروع إيران الإقليمي. وما وصلت إليه "حماس" اليوم ينطبق أيضاً على "حزب الله" في لبنان والميليشيات في العراق والحوثيين في شمال اليمن، إذ أظهرت التجارب خطورة وجود قرار عسكري مستقل عن الدولة. والمستقبل يحتاج إلى دول تستعيد قرارها الوطني ومؤسساتها، وإلى سلاح يخضع لسلطتها وحدها. وقد تكون غزة بداية تحول يعيد للفلسطينيين فرصة بناء حياتهم وقضيتهم على أساس سياسي أكثر واقعية.
وما انتهت إليه مغامرة "طوفان الأقصى" يكشف مفارقة يصعب تجاهلها. فبعد حرب ودمار هائل وخسائر بشرية، وصلت "حماس" إلى القبول بمناقشة سلاحها، والخروج من إدارة غزة، والعمل ضمن صيغة فلسطينية أوسع. وهي نتيجة تكشف أيضاً كلفة ارتباط قرار الحركة بأجندات تتجاوز المصلحة الفلسطينية، وفي مقدمتها المشروع الإيراني في المنطقة. فقد تنتهي تلك المشروعات بتفاهمات وتسويات، فيما يبقى الشعب هو من يدفع الكلفة من أمنه واستقراره ومستقبله.
* كاتب إماراتي