"غزة في القلب"... جداريات تصوّر المأساة وتوقظ ضمير العالم

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في معرضه "غزة في القلب" (دار الأوبرا المصرية، القاهرة - نيسان/أبريل 2026)، يستحضر التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، جماليّاً وإنسانيّاً، تفاصيل المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، في ظل أوضاع بالغة القسوة، بخاصة معاناة المتضررين من الحرب في قطاع غزة، مقدماً رؤيته التعبيرية المشحونة بموقفه الداعم للنضال الفلسطيني على طول الخط.

ينطلق عكاشة (68 عاماً) في جداريات معرضه الضخمة، ولوحاته المتعددة، التي تتمحور كلها حول غزة والشأن الفلسطيني، من إيمانه بدور الفن كموثق للتاريخ وراوٍ للعصر وراعٍ للحكايا والسرديات الخالدة. ومن ثم، فإنه فن فاعل، قادر على الإسهام في تشكيل الوعي وتعزيزه، وتوجيه رسائل صارخة، يمكن أن تؤتي ثمارها في الانتصار للقضية الفلسطينية، وإيقاظ ضمير العالم إزاء ما يتعرض له أهل غزة من تنكيل وتشريد وخسائر بشرية ومادية جسيمة.

ألوان الألم والأمل
تتنوع أعمال الفنان التشكيلي بين جداريات تصل إلى ثلاثين متراً، وجداريات أصغر، ولوحات، وتأتي منغمسة من تلقاء ذاتها في الجرح الفلسطيني النازف، بصدقية وتلقائية يعيدهما الفنان إلى شعوره بأنّه فرد من أهالي غزة. "وأنا أشاهد الإبادة تُبث على الهواء، سقطت دمعة في اللون. تركتُها كما هي، شاهدة على اللحظة، ومضيتُ في الرسم، حتى اكتمل المعرض"، وفق ما جاء في كلمة عكاشة في مانفستو المعرض.

 

من أعمال عبد الرازق عكاشة حول غزة.

 

يفجّر الفنان - الذي قدّم أكثر من مئة معرض تشكيلي عالمي - شهادة بانورامية مصورة، من لحم ودم وألوان حية، على تلك اللحظات المروعة والثقيلة التي يكابدها الشعب الفلسطيني، بكل ما فيها من فقد وترويع ومقابر جماعية وترصّد للناجين من الحرب، وبما فيها أيضاً من ملاحم بطولية وكفاح واستبسال ودفاع حتى الرمق الأخير عن العزة والكرامة والحق الذي لا يغيب.

وينخرط عكاشة، عضو نقابة التشكيليين المصريين والجمعية الدولية للفنون التشكيلية (IAA) باليونسكو في باريس، حيث يقيم منذ سنوات طويلة، في معرض "غزة في القلب"، في التقاط المفردات والعناصر والرموز الدالة والموحية، التي تترجم المعاني التي يريد بثها من خلال معرضه، ليس بشكل مباشر بطبيعة الحال، وإنما من دون تعقيد، إذ إن الهدف الأساسي من المعرض هو ما يتعلق بمسؤوليته الأخلاقية، وبقدرته على تأكيد مقاومة الوحشية والقسوة وآلة الدمار، وتوصيل الصوت الفلسطيني إلى أبعد مدى، وبأقصى طاقة ممكنة.

 

جانب من معرض عبد الرازق عكاشة “غزة في القلب“.

 

توسعة الحالة
ينحاز الفنان إلى قدر من التجريد في لوحاته، على اعتبار أن المأساة الفلسطينية هي قضية إنسانية عامة في المقام الأول، فلا يتم النظر إليها من خلال الرؤى الخاصة الضيقة ذات الطابع الإيديولوجي أو الديني، فجوهر القضية ببساطة هو حق الشعب في تقرير مصيره واسترداد أرضه ونيل حقوقه ومواصلة الحياة الكريمة بحرية تحت مظلة العدالة.

ووفق هذه الرؤية المتسعة، يمكن أن تلقى قضية غزة والشعب الفلسطيني اهتماماً عالميّاً أكبر من كل المدافعين عن الإنسانية، والرافضين لكافة أشكال الإرهاب والقهر والحصار.

 

من أعمال عبد الرازق عكاشة حول غزة.

 

يلتقط عكاشة بأناةٍ في جدارياته ولوحاته عن غزة كل آثار الحرب الأخيرة من بارود ودخان وأكفان وأشلاء وتخريب شامل، متعقّباً في الوقت نفسه مشاهد نابضة من حياة الفلسطينيين الاعتيادية اليومية، التي لا يمكن أن تتوقف رغم حدة القصف وتصاعد الخطر، في حس ملحمي يبرز قوة الصمود الشعبي ويبلور روح البطولة.

ذاكرة بصرية
تمثّل أعمال عكاشة في مجملها، خصوصاً جدارياته، ما يمكن اعتباره ذاكرة بصرية ووجدانية للواقع الفلسطيني في غزة، وعنوان هذا الواقع الإصرار والتحدي، وفرض الإرادة. وتتجلى في خطوط الفنان وأضوائه وظلاله ومساحاته الكبيرة تلك الانسيابية والمرونة التي تسمح بتخليق الوجود المنشود وتصوير الحياة المبتغاة بتفاصيلها الثرية وطقوسها الملموسة والمستشعرة وتجسيد الرغبة في البقاء رغم الجراح والآلام. فالجنازات الجماعية المتكررة والأكفان البيضاء مثلاً لا تمنع تصوير الأعراس بالملابس البيضاء أيضاً، فللأبيض كما للأسود ألف وجه ووجه.

 

من أعمال عبد الرازق عكاشة حول غزة.

 

وعلى الصعيد الجمالي، لا يختار عكاشة الطريق السهل، رغم سلاسة أعماله وتكويناته، فالجداريات الكبرى بحدّ ذاتها فن صعب، يتطلب دربة تخييلية عالية، وثقافة معرفية واسعة، ودراية بتطور هذا النسق الفني عبر التاريخ، وعلاقته بتصوير آلام الشعوب وآمالها.

ولعل أبرز ما نجح فيه الفنان هو تخليص جدارياته تماماً من الاشتغال، بمعنى الترصد والذهنية والاستحضار المسبق للفكرة، إذ تبدو جدارياته العفوية نابعة مباشرة من الضمير، بغير افتعال، ومن دون تحضير، شأنها شأن صرخات الأطفال الفلسطينيين الذين شاركوا الفنان والمثقفين المصريين افتتاح معرضه بالقرب من نيل القاهرة الخالد.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية