غزة تُفَعِّلُ صحيفة المدينة المنوَّرة

حفلت السيرة النبوية المطهرة على صاحبه الصلاة والسلام بمحطات مركزية وأخرى فرعية منبثقة عنها ترسم للمسلمين المسار الأزلي لوجودهم ومعادهم. والهجرة النبوية المباركة انبعاث للبعثة لميزتهاالأساس؛ الانتشار والتصاعد للرسالة الخاتمة، فهي المحطة الكبرى الثانية في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم البشرية برسالته الخاتمة. ومن بركاتها الإلهية على المسلمين والبشرية انبعاث مرحلة التشريع العملي للمجتمع المسلم الذي حكم ووَجّهَ الحضارة الإسلامية.
وها هي ذكرى الهجرة تنشر أنوار صاحبها صلى الله عليه وسلم على الأمة في واحدة من أشد المراحل بأسا مرت بها ؛ تمحيصا للمبادئ والقيم والمثل العليا التي تتدافع بها المنظومات الحضارية والديانات والأفكار الكبرى، لمآل ومصير البشرية على وقع نداء فطرتها الأولى التي لا يلبيها لها سوى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
و لا شك أن قوة اشتداد الشدائد على أمة نبي الوحي الخاتم، التي يشير إليها الدفق النفسي لطوفان بشري في جريان أفدح الحوادث النازلة ببعض أوطانهم وشعوبهم، تقودها قيم ومبادئ ومنظومات فكرية وأخلاقية شيدت الحضارة الإنسانية القائمة، والتي أحدثت صدمة نفسية عميقة في نفوس من ظنوا النور ضياء؛ فإذا بعض أشعته استحالت شواظا من لهيب يحرق أحشاء نفوس صاغتها قيم إنسانية وثقافية وجمالية حضارية، ظنتها الكمال السرمدي.
وكأنما أختار الله تعالى لــ”غزة ” أن تكون باعثة للفطرة المستقرة بين جوانح شعوب الحضارة من مكامنها وفتح أعينهم على العدو الأزلي للفطرة الإنسانية. هذا العدو الأزلي الذي كان له الدور الأوفر في تشكيل فكر الحضارة وفلسفتها ونظمها المعرفية وممارساتها السياسية التي ولدت فيما ولدت قدرة عجيبة على توليد التناقضات التي أصبحت أبرز معالم الممارسة السياسية في مراكز الحضارة الحديثة، فالعقل ليس ملكة جبارة للفكر والابتكار والإبداع فحسب، بل قدرة خارقة على تدوير الأحكام والأوصاف والحجج لتبدو في كل حركة دوران “حقا” و”عدلا” و”حضارة” أرادها القوي أن تكون كذلك، ولو على أشلاء الضعاف. وقد رسم الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله لهذا الأمر صورة بديعة فقال “… تنقلب العلاقات في العقل الغربي كما تنقلب الألوان في التجربة السالبة في التصوير؛ وذلك حين يتصل الأمر بأحداث خارج أوروبا”.
تمنح الهجرة النبوية بمعيار آثارها الزمنية والمكانية المستمرة، المسلم وغير المسلم طالب الحكمة، ما تقدِّمه للفطرة البشرية المتحفزة لليقظة وتفعيل آثارها في الذات التي تلبستها، يضعنا الحدث الأعظم المستمر منذ “الطوفان” الطاهر إلى اليوم أمام “صحيفة المدينة” التي عدّها فقهاء الدستور العقلاء المنصفون، دستورا للدولة الإسلامية التي شرع النبي صلى الله عليه وسلم لدخوله المدينة المنورة في وضع قواعدها الرئيسة. والفصل أو الجزء ذو الصلة بحديث المقال هو ما عُرف بموادعة النبي صلى الله عليه وسلم يهودَ يثرب؛ فاغلب كتب السيرة النبوية المطهرة تتحدث عنه صراحة أو ضمنا أنه معاهدة عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود. حددت وضعهم الحقوقي والتزامات المواطنة، والجزاءات المترتبة عن الجرائم السياسية على وجه الخصوص، بصفتهم فئة دينية مخالِفة للمجتمع المسلم الجديد.

 كأنما أختار الله تعالى لــ”غزة ” أن تكون باعثة للفطرة المستقرة بين جوانح شعوب الحضارة من مكامنها وفتح أعينهم على العدو الأزلي للفطرة الإنسانية. هذا العدو الأزلي الذي كان له الدور الأوفر في تشكيل فكر الحضارة وفلسفتها ونظمها المعرفية وممارساتها السياسية التي ولدت فيما ولدت قدرة عجيبة على توليد التناقضات التي أصبحت أبرز معالم الممارسة السياسية في مراكز الحضارة الحديثة، فالعقل ليس ملكة جبارة للفكر والابتكار والإبداع فحسب، بل قدرة خارقة على تدوير الأحكام والأوصاف والحجج لتبدو في كل حركة دوران “حقا” و”عدلا” و”حضارة” أرادها القوي أن تكون كذلك، ولو على أشلاء الضعاف.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post غزة تُفَعِّلُ صحيفة المدينة المنوَّرة appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk