غرب ليبيا بعد الصدامات الدموية... الميليشيات تجهض احتكار السلاح
أعادت الاشتباكات الدموية التي شهدتها مدينتا الزاوية وصرمان، فجر الثلثاء، تسليط الضوء على واحدة من أكثر الأزمات الأمنية تعقيداً في غرب ليبيا، حيث يتداخل نفوذ الجماعات المسلحة مع شبكات اقتصاد الظل والمصالح السياسية، في مشهد يعكس استمرار تعثر الترتيبات الأمنية في فرض احتكار الدولة استخدام القوة.
واندلعت المواجهات بين الكتيبة 103 مشاة، المعروفة بـ"كتيبة السلعة" بقيادة عثمان اللهب، وقوة الإسناد الأولى بقيادة محمد بحرون، المعروف بـ"الفأر"، في الزاوية قبل أن تمتد إلى صرمان المجاورة.
وقال مصدر أمني في مديرية أمن الزاوية إن الاشتباكات أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة أكثر من عشرة بجروح متفاوتة، فيما تحدثت مصادر محلية عن سقوط مدنيين بين الضحايا، من دون صدور حصيلة رسمية نهائية حتى مساء الأربعاء.
وأدت المواجهات إلى تعطيل الحركة على طرق رئيسية وشلل جزئي للحياة العامة، ما دفع البلديات والأجهزة الخدمية إلى تعليق العمل وتحذير السكان من الاقتراب من مناطق الاشتباكات. وبعد تثبيت وقف إطلاق النار عاد هدوء حذر إلى المنطقة، واستؤنفت بعض الأنشطة، بينها امتحانات الدور الثاني في مدارس الزاوية.
فرار السجناء
في صرمان، فرّ عدد من نزلاء مؤسسة الإصلاح والتأهيل بعد اقتراب المواجهات من محيطها، فيما أعلن جهاز الشرطة القضائية تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات الحادثة وتحديد المسؤوليات.
ورفعت فرق الإسعاف والهلال الأحمر درجة الجهوزية، واعتبرت البلديات أجزاء من الطريق الساحلي غير آمنة، واضطرت شركة الزاوية لتكرير النفط إلى منح إجازات طارئة للعاملين الذين تعذر وصولهم إلى مواقع عملهم.
وطالت الأضرار شبكة الكهرباء أيضاً، بعدما أعلنت الشركة العامة للكهرباء خروج دائرة الزاوية التوليد – الزهراء بجهد 220 كيلوفولت عن الخدمة نتيجة تضرر أحد أبراج نقل الطاقة، إضافة إلى أعطال في أعمدة ومحولات تغذي أحياء سكنية في صرمان، قبل أن تبدأ الفرق الفنية أعمال الصيانة.
وباشرت بلدية الزاوية الغرب حصر الأضرار التي لحقت بالمنازل والممتلكات العامة والخاصة، ودعت المتضررين إلى تسجيل خسائرهم لدى اللجنة المختصة.
مسيّرات تعمّق المخاوف
وفي موازاة الخسائر الميدانية، أثار تداول مقاطع مصورة لاستخدام طائرات مسيّرة خلال المواجهات مخاوف من انتقال الصدامات إلى مستوى أكثر خطورة. ويرى الحقوقي الليبي طارق لملوم، في حديث إلى "النهار"، أن استخدام المسيّرات داخل المدن "يرتب مسؤوليات قانونية وجنائية وفق قواعد القانون الدولي، إذا ثبت استهداف أشخاص خارج إطار القانون، أو وقوع ضحايا مدنيين، أو تنفيذ عمليات من دون الالتزام بمبادئ القانون الدولي الإنساني". ويعتبر أن ما جرى في الزاوية "تجاوز نطاق الخلافات المحلية بين مجموعات مسلحة"، داعياً إلى إخراج مقار التشكيلات المسلحة من الأحياء السكنية والحد من انخراط الشباب فيها.
وفي إطار احتواء التصعيد، انتشرت قوات فض النزاع التابعة للواء 52 مشاة في الزاوية وصرمان، بعدما كلف رئيس الأركان العامة محمد الحداد آمر المنطقة العسكرية للساحل الغربي صلاح الدين النمروش تجهيز قوة للفصل بين الأطراف المتنازعة، وهو ما أسهم، وفق مصادر محلية، في تثبيت وقف إطلاق النار وتأمين المناطق المتضررة.

صراع نفوذ يتغذى من اقتصاد الظل
تمثل هذه الجولة امتداداً لصراع متكرر في الزاوية ومحيطها بين مجموعات مسلحة تتنافس على النفوذ ومصادر التمويل، في منطقة ترتبط بمصفاة نفطية رئيسية وبملفات الهجرة غير النظامية وتهريب الوقود والاتجار بالمخدرات، ما يجعل أي تهدئة أمنية عرضة للاهتزاز مع تبدل موازين القوى.
ويرى المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ، في حديث إلى "النهار"، أن الحكومة تتحمل مسؤولية حماية المدنيين وفرض الأمن، ولا سيما أن المواجهات دارت داخل مناطق مأهولة بالسكان وعطلت الحياة اليومية. ويعتبر أن تكرار الاشتباكات يعكس غياب معالجة سياسية وأمنية لأسباب الصراع، لأن "الحلول التلفيقية" التي تقتصر على الفصل الموقت بين الأطراف المتنازعة تمنح هدنة قصيرة، فيما تبقى عوامل التوتر قائمة، فتعود المواجهات مع أول احتكاك. ويضيف أن "الأزمة ترتبط بدورة عنف تتكرر في الساحل الغربي منذ سنوات نتيجة استمرار تعدد مراكز القوة وانتشار السلاح خارج سلطة الدولة".
ويربط مدير مؤسسة "ابدأ" للدراسات عبد الله الغرياني هذا الواقع بطبيعة العلاقة التي نشأت بين بعض القوى السياسية والتشكيلات المسلحة، موضحاً لـ"النهار" أن الاعتماد على الميليشيات لتوسيع مناطق النفوذ والسيطرة على المراكز الاقتصادية عزز حضورها على حساب مؤسسات الدولة. ويشير إلى أن استمرار "الحواضن الاجتماعية والسياسية" لهذه التشكيلات يوفر لها مصادر حماية ونفوذاً ويطيل عمر الأزمة، لذلك يبقى أي مسار للاستقرار مرهوناً بتفكيك هذه البيئة التي تسمح باستمرار نشاطها.
معركة احتكار القوة
ويضع المستشار في مجلس الأمن القومي الليبي فيصل رزق بوالرايقة الاشتباكات الأخيرة في سياق أوسع، معتبراً أن الزاوية وصرمان تمثلان عقدة أمنية واقتصادية تتداخل فيها السيطرة الميدانية مع المصالح الاقتصادية وحسابات التوازن بين الفاعلين المسلحين، وهو ما يجعل أي تصعيد يتجاوز حدوده المحلية.
ويقول لـ"النهار" إن "مسؤولية الحكومة محددة قانوناً بحماية المدنيين وفرض الأمن، فيما يرتبط التحدي الأساسي بقدرتها على فرض قراراتها ميدانياً وإخضاع جميع الأطراف لسلطة الدولة". ويرى أن الفجوة بين الشرعية القانونية والقدرة التنفيذية تفسر استمرار هذه المواجهات، فيما يبقي غياب مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة احتمالات تجددها قائمة.
وتشير أحداث الزاوية وصرمان إلى أن الصراع في غرب ليبيا يدور حول شبكة مصالح تجمع السلاح والاقتصاد والنفوذ السياسي، وهو ما يجعل وقف إطلاق النار محطة موقتة في أزمة ترتبط بتوازنات الميدان أكثر مما ترتبط بتسويات دائمة، ويضع احتكار الدولة للقوة أمام اختبار متجدد مع كل جولة تصعيد.