عيد الأضحى وضغط الحرارة .. تحذيرات من أزمات بيئية وصحية خانقة

مع حلول عيد الأضحى وتزامنه مع موجة حرارة غير مسبوقة تجتاح مختلف الأقاليم المغربية، يبرز ملف الأمن البيئي والصحي وتدبير النفايات كأولوية وطنية ملحة تتجاوز حدود النظافة التقليدية لتلامس استدامة الموارد الطبيعية.

وأجمع خبراء وناشطون بيئيون، استقت هسبريس تعليقاتهم، على أن هذه المناسبة الدينية السنوية باتت تطرح تحديات استثنائية؛ إذ تتسبب في تدفق كميات قياسية من النفايات والمخلفات العضوية التي تتسارع معدلات تحللها وتكاثر “بكتيريا” جراء الطقس القاسي، مما يهدد بتحويل الحواضر إلى مطارح مفتوحة للأزقة والروائح الكريهة، في وقت ينزاح فيه الضغط البيئي نحو النظم الغابوية الهشة التي تواجه مخاطر حادة لاندلاع الحرائق نتيجة الإقبال المكثف لبعض الأسر لقضاء عطلة العيد.

كما اتفقت رؤى الفاعلين الجمعويين في فكرة أن مواجهة هذا الوضع “المقلق” تستدعي “القطع مع المقاربات الكلاسيكية القاصرة”، وتجاوز الاختلالات الهيكلية للشركات المفوض لها تدبير قطاع النظافة التي تفتقر للآليات التكنولوجية الحديثة والالتزام الصارم بدفاتر التحملات، مؤكدينَ “حتمية الانتقال نحو نموذج تنسيقي تشاركي ثلاثي الأبعاد، يربط حركية المجتمع المدني كـ”حارس أخضر”، بجاهزية السلطات المحلية عبر مخططات تدبير استثنائية وزجرية، والوعي المسؤول للمواطنين.

“مخطط استثنائي”

صرّح أيوب كرير، رئيس جمعية “أوكسيجين للبيئة والصحة” فاعل بيئي بجهة الغرب، بأن معاناة المواطنين المغاربة تتجدد مع كل حلول لعيد الأضحى المبارك جراء الانتشار الواسع لمظاهر التلوث، حيث تتراكم النفايات والأزبال بمختلف أنواعها وأشكالها ودرجة خطورتها؛ لتتحول المدن إلى ما يشبه مطارح مفتوحة للنفايات.

وأضاف كرير، في تصريح لهسبريس، أن الحملات التحسيسية والتوعوية والإجراءات المتخذة من قبل الجهات الوصية تظل قاصرة وغير مجدية للأسف الشديد في وضع حدٍّ لهذا الوضع الخطير، الذي يجتاح جل المجالات الحضرية والقروية في المملكة.

وأرجع رئيس جمعية “أوكسيجين للبيئة والصحة” تفاقم هذه المعضلة البيئية إلى “غياب الصرامة في التعامل مع هذا الملف وعدم تطبيق القوانين بشكل حازم”، مؤكدا أنه عندما يستشعر المواطن وجود التزام قانوني وإجراءات زجرية صارمة لتدبير النفايات فإنه يمتثل لها؛ بينما يؤدي غيابها ورصد السلوكيات العشوائية في الشارع العام إلى تبني ممارسات عشوائية مماثلة.

وحذر الفاعل البيئي ذاته من “الأضرار البالغة التي تلحق بالمنظومة البيئية خلال هذه الفترة، لا سيما المساحات الخضراء والغابات والمنظومات البيئية التي تتأثر بشكل كبير؛ مما يهدد بدمار العديد من الكائنات الحية جراء التراكم القياسي للنفايات السائلة والصلبة، وما ينتج عنها من روائح كريهة وجراثيم تساهم في نقل الأمراض الخطيرة”.

وفي سياق متصل، انتقد كرير “التراجع” الحاصل في الحملات التحسيسية الرقمية والتلفزيونية الرسمية مقارنة بالسنوات الماضية، معتبرا أن “جهود المجتمع المدني والجمعيات البيئية الميدانية تظل محدودة الأثر ما لم تواكبها المؤسسات والشركات عبر شراكات فاعلة ودعم حقيقي”. كما حمّل الشركات المفوض لها تدبير قطاع النظافة جزءا كبيرا من المسؤولية، واصفا دفاتر التحملات بـ”الضعيفة”.

وأشار المتحدث عينه إلى ضعف رقابة الجماعات الترابية عليها، حيث تشهد مدن عديدة (القنيطرة مثلا) تراكم النفايات وغياب الآليات التكنولوجية الحديثة والشاحنات الكافية، والاعتماد على وسائل كلاسيكية قديمة تعود إلى تسعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بالرغم من الميزانيات المليارية الضخمة التي تتقاضاها هذه الشركات من أموال دافعي الضرائب.

ودعا رئيس جمعية “أوكسيجين للبيئة والصحة” إلى ضرورة تفعيل مخطط تدبير استثنائي لمواجهة هذه الأزمة الخانقة خلال أيام العيد الثلاثة على الأقل؛ من خلال مضاعفة أعداد العمال وتوفير الآليات وتكثيف الجهود، معتبرا أن استمرار العمل بالنسق العادي يعمّق الأزمة.

كما انتقد الفاعل البيئي عدم شمولية توزيع الأكياس البلاستيكية المخصصة لجمع مخلفات الأضاحي في مجموعة من الأحياء بمدن كالقنيطرة، مطالبا بتوزيع شامل ومجاني لهذه الأكياس لتمكين المواطنين من تنظيم نفاياتهم وتفادي التخلص العشوائي منها في الحاويات؛ مما يؤدي إلى تلوث بيئي وصحي واسع النطاق.

واختتم كرير تصريحه بتوجيه دعوة عاجلة إلى المواطنين من أجل الارتقاء بسلوكياتهم تجاه البيئة، والتعامل مع الأضحية كشعيرة دينية تستوجب التأصل بالقيم الأخلاقية والإسلامية التي تمنع إلحاق الأذى بالإنسان والحيوان والنبات والمحيط البيئي ككل”.

“تنسيق ثلاثي”

أكد المصطفى العيسات، الخبير في المجال البيئي والتنمية المستدامة، أن “حملات التوعية البيئية المتزامنة مع عيد الأضحى تكتسي هذا العام طابعا استعجاليا يرتبط بالأمن البيئي والصحي المباشر للمملكة، في ظل موجة الحرارة غير المسبوقة التي تجتاح المغرب”.

وأوضح العيسات، في تصريح لهسبريس، أن “الارتفاع القياسي في درجات الحرارة يضاعف من سرعة تحلل النفايات العضوية ويزيد بشكل حاد من مخاطر اندلاع الحرائق الغابوية؛ مما يفرض على جمعيات المجتمع المدني البيئي التدخل كشريك استراتيجي و”حارس أخضر” للعمل على جبهتين متوازيتيْن تشملان: ترشيد التعامل مع مخلفات الأضاحي وحماية الثروة الغابوية.

عن ملف النفايات، أشار الخبير البيئي إلى “إطلاق استراتيجيات مبتكرة لمواجهة التحديات الصحية الناجمة عن تسارع تحلل مخلفات الأضاحي وتكاثر الحشرات والبكتيريا بفعل الحر الشديد”. وتتضمن هذه المبادرات تفعيل حملات “أُضحيتي نظيفة” عبر توزيع أكياس مخصصة ومقاومة للتمزق بتنسيق مع الجماعات الترابية، ومنع رمي المخلفات في الأزقة والمجاري المائية، بالإضافة إلى تعزيز مفهوم الاقتصاد الدائري عبر تشجيع تحويل الشحوم إلى صابون طبيعي ومعالجة النفايات العضوية لتحويلها إلى أسمدة تقلل العبء على المطامر.

وعلى جبهة حماية النظم الطبيعية، حذر المصرح من “انتقال الضغط البيئي من الأحياء السكنية إلى الغابات والشواطئ بفعل توافد آلاف الأسر لقضاء العطلة”؛ مما يرفع القابلية للاشتعال جراء نيران الشواء أو السجائر المهملة. وللحد من هذه الكوارث، ينشط المجتمع المدني من خلال حملات “غابتنا أمانة” ونشر ثقافة “لا أثر نتركه”؛ عبر إقامة خيام توعوية لتوجيه الزوار، ومنع قطع الأغصان الحية، وحث العائلات على جمع نفاياتها وإخماد النيران كليا بالماء قبل المغادرة.

كما شدد العيسات على أن الظروف المناخية الاستثنائية الحالية تتطلب “يقظة غير مسبوقة وإجراءات وقائية صارمة”؛ من أبرزها تجنب الحركة في ساعات الذروة الحرارية، والإبلاغ الفوري عن أي حريق أو تراكم للنفايات. وفي هذا الإطار، تنسق الجمعيات البيئية بشكل وثيق مع مصالح الوقاية المدنية والسلطات الوصية على المياه والغابات لتفعيل أنظمة الإنذار المبكر، وتعميم أرقام الطوارئ، وتنظيم دوريات تطوعية لرصد أية سلوكيات خطرة أو انبعاثات للدخان في الساعات الحارة. وبالتأكيد على أن “تحقيق الاستدامة البيئية خلال العيد يستلزم نموذجا تنسيقيا ثلاثي الأبعاد يجمع المبادرات الميدانية للجمعيات، والبنية التحتية للسلطات المحلية، والسلوك المسؤول للمواطنين.

ودعا المصطفى العيسات إلى تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص لتأمين معدات النظافة، ودعم الحلول التقنية المبتكرة التي يطورها الشباب عبر التطبيقات الذكية لرصد النفايات والحرائق؛ لتحويل مناسبة العيد إلى محطة حقيقية لتجسيد قيم المواطنة البيئية والحفاظ على استدامة الموارد للأجيال المقبلة.

The post عيد الأضحى وضغط الحرارة .. تحذيرات من أزمات بيئية وصحية خانقة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress