عيد الأضحى بالمغرب

أين نحن من قيم التضامن؟

يحلّ عيد الأضحى بالمغرب هذه السنة محمَّلاً بأسئلة تتجاوز حدود الاحتفال إلى عمق التماسك الاجتماعي والقدرة الشرائية للمواطن. فالعيد شعيرة دينية تكرّس قيم الإيثار والرحمة، وتحوّل تاريخياً إلى ركيزة من ركائز الهوية الوطنية. غير أننا اليوم أمام مفارقة لافتة: عرض وفير من الأضاحي، يقابله ثبات الأسعار في مستويات مرتفعة تثقل كاهل الأسر.

مفارقة الوفرة والغلاء

تكمن القيمة الجوهرية للعيد في كونه متنفّساً للفئات الهشّة التي تجد فيه فسحة روحية وغذائية نادرة. لكن هذه الفرحة تصطدم بجدار الأسعار. والمفارقة أن السبب هذه السنة لم يعد الندرة. فبعد شتاء استثنائي وصفته السلطات بأنه الأغزر مطراً منذ عقود، أعلنت وزارة الفلاحة في نهاية دجنبر 2025 أن القطيع الوطني بلغ نحو 32.8 مليون رأس، منها أكثر من 23 مليون رأس من الأغنام، يكفي لتغطية الطلب دون اللجوء إلى الاستيراد.

ورغم هذه الوفرة، لم يلمس المواطن أثرها في السوق. فقد ظل سعر كيلوغرام لحم الخروف يتراوح بين 100 و150 درهم، فيما تتراوح أثمنة الأضحية المتوسطة حول 5000 درهم. والسبب، كما يقرّ به مهنيون أنفسهم، أن مربّين ومضاربين يحتجزون القطيع واللحوم المجمّدة بحثاً عن ربح أكبر، في ممارسات احتكارية يصفها فاعلون في القطاع بأنها غير معهودة سابقاً في المغرب. هكذا تتحوّل فريضة دينية إلى مجال للمضاربة، ويُحرم المنتج الصغير والمستهلك معاً من ثمار موسم وفير.

من يربح من دموع الفقراء؟

في مقابل هذا المشهد، تقف أسرٌ هشّة ادّخرت قُوتها طوال العام لتؤدي شعيرة تنتظرها بفرح. هذه الأسر هي الضحية الأولى لمن يضاعف ربحه على حسابها، غير عابئ بالفقير ولا بالفئات الهشّة، ولا بمجهود الدولة، ولا بقيم التضامن التي يُفترض أن العيد يجسّدها. والإنصاف يقتضي تمييزاً دقيقاً: فالمربّي الصغير الذي يرفع ثمنه لأن أعلافه غالية ليس هو المقصود، بل المضارب المحتكر الذي يجعل من حاجة الناس فرصةً للجشع. إن خطورة هذه الفئة الخفية أنها لا تنتج قيمة، بل تقتات على المسافة بين المنتج والمستهلك، وتحوّل لحظة تضامن جماعي إلى موسم ربحٍ سريع لا يرى في الشعيرة سوى سوق.

درس السنة الماضية

لا يمكن قراءة المشهد الحالي بمعزل عن سياق العام الماضي، حين دعت الدولة إلى إلغاء شعيرة الذبح لأسباب ترتبط بوضعية القطيع وتوالي سنوات الجفاف. ذلك القرار، على رصانته، ترك فراغاً رمزياً واجتماعياً لدى الأسر، وأظهر أن العيد ليس مجرد استهلاك للحوم، بل حركية اقتصادية واجتماعية تشدّ أطراف العالمين القروي والحضري. واليوم، مع العودة إلى الذبح، يرتفع سقف التوقعات، لكنه يصطدم بمرارة الغلاء.

الدعم العمومي: من المستفيد الحقيقي؟

لا بد من مساءلة نجاعة التدابير الحكومية بنبرة نقدية بنّاءة. فقد ضخّت الدولة، وفق ما صرّح به رئيس الحكومة أمام البرلمان، نحو 13 مليار درهم لدعم مربّي الماشية وحماية القطيع، كما استفاد أكثر من 325 ألف مربٍّ من دعم مباشر للأعلاف وإناث القطيع. وهذا مجهود يُحسب لا يُنكر.

لكن السؤال يظل قائماً: من المستفيد الأخير من هذا الدعم؟ حين تتحسّن أعداد القطيع بهذا الحجم وتبقى الأسعار في مكانها، يتبيّن أن جزءاً من الثمار يُمتصّ في قنوات توزيع غير مهيكلة يسيطر عليها الوسطاء. فالدعم الذي لا يرافقه ضبط صارم لمسالك التسويق وأماكن البيع يبقى ناقص الجدوى، بل قد يغذّي الاحتكار بدل أن يخفّف العبء عن الفقراء.

نحو سياسة تعيد للعيد روحه

الحفاظ على روح العيد وتماسك المجتمع لا يتحقق بالشعارات، بل بسياسات تُعيد للشعيرة بُعدها التضامني. ومن المداخل الممكنة:

مأسسة التضامن: تفعيل آليات مثل صكوك الأضحية والمبادرات الجمعوية المنظَّمة لكسر شوكة الاحتكار.

تعميم الأسواق النموذجية: فقد هُيّئت هذه السنة نحو 34 سوقاً نموذجياً تتيح البيع المباشر بين المربّي والمستهلك دون وسطاء، ويُتوقّع أن تخفّض الثمن بما بين 1000 و1500 درهم؛ وهي تجربة تستحق التعميم والمراقبة لا أن تبقى استثناءً موسمياً.

دعم موجَّه للمستهلك: التفكير في آليات تضمن وصول الأضحية إلى الأسر المعوزة بأسعار تفضيلية بعيداً عن المضاربة.

خاتمة

يبقى عيد الأضحى مرآة نرى فيها قدرتنا على صون التضامن في وجه منطق الربح السريع. والمعطيات هذه السنة تضع المسؤولية في موضعها بوضوح: حين تتوفر الوفرة ويبقى الغلاء، فالمشكلة ليست في الطبيعة بل في تنظيم السوق. فإمّا أن نترك الفقراء وحدهم أمام الأسعار، وإمّا أن نستعيد روح الشعيرة بتضامن حقيقي ورقابة لا تكتفي بضخّ المال، بل تضمن وصول الفرحة إلى كل بيت دون استغلال. فالفرحة الصادقة هي التي لا تُشترى بدموع المحتاجين.

-باحث في الفلسفة وقضايا العدالة العالمية وحقوق الإنسان – المغرب

The post عيد الأضحى بالمغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress