عون يحدد ثوابت التفاوض... وإسرائيل ترفض الانسحاب وتتمسك بالمنطقة الأمنية
على الرغم من مرور ثلاثة أيام على إعلان مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية التي قيل إنها تشمل وقفاً فورياً لإطلاق النار وتمتد مفاعيلها إلى لبنان، بقي الجنوب اللبناني تحت وطأة الاستهدافات الإسرائيلية، فيما بدت تل أبيب ماضية في تثبيت معادلة ميدانية جديدة عنوانها "المنطقة الأمنية" داخل الأراضي اللبنانية.
ميدانياً، استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة عند دوار كفرتبنيت، ما أدى إلى مقتل بلال كمال حايك وعلي إسماعيل طفيلي. كما قُتل شاب في بلدة زبدين إثر غارة نفذتها طائرة مسيّرة فجر الخميس، بالتزامن مع قصف مدفعي طاول الجبل الأحمر عند أطراف البلدة لجهة حاروف.

وطاول القصف المدفعي الإسرائيلي أطراف بلدة كفرتبنيت لجهة حرج علي الطاهر، وأحراج العيشية في قضاء جزين، وأطراف بلدة النبطية الفوقا. كما ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلة على أحد المنازل في حي الصالحية في النبطية، وأخرى على بلدة بيت ياحون حيث أفيد بوقوع إصابتين.
وفي حداثا، أغار الطيران المسيّر الإسرائيلي على البلدة من دون تسجيل إصابات، قبل أن ترد معلومات عن إطلاق نار إسرائيلي باتجاه الجيش اللبناني والأهالي وفرق الإسعاف. كذلك استهدفت غارة من مسيّرة دراجة نارية في محيط بلدة عين التينة في البقاع الغربي.

وفي صور، عملت فرق إسعاف جمعية الرسالة الإسلامية على انتشال أشلاء قتيل من محلة البقبوق شمال المدينة، بعدما كان الموقع قد تعرض سابقاً لغارة إسرائيلية أدت إلى مقتل عدد من الأشخاص من عائلة فلسطينية. وفي الخيام، واصل الجيش الإسرائيلي أعمال التجريف منذ ساعات الصباح.
كما دوى انفجار قوي في بلدة الدوير، تبيّن أنه ناجم عن جسم مشبوه من مخلفات العدوان على طريق الدوير – حي الكريمات، ما أدى إلى اندلاع حريق في الأعشاب عمل الدفاع المدني على إخماده. في موازاة ذلك، أعلن الجيش اللبناني أن وحدات مختصة تواصل تفكيك قنابل طيران غير منفجرة من مخلفات العدوان الإسرائيلي، تزن ألف وألفي باوند، في بلدات حاروف والكفور وصريفا ومعروب وكفردونين، تمهيداً لنقلها إلى أماكن آمنة.
وفي تطور لافت، نشر الجيش الإسرائيلي خريطة قال إنها تُظهر المنطقة التي تعمل فيها قواته في جنوب لبنان. وقال المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي إن الجيش الإسرائيلي ينتشر، «بناءً على الحاجة العملياتية»، في منطقة أمنية تقع على عمق نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مؤكداً أن قواته ستواصل العمل لإزالة التهديدات وتحسين الدفاع عن سكان الشمال.
ونقلت القناة 14 الإسرائيلية عن الجيش قوله إن الخطوات المقبلة بشأن جنوب لبنان تُبحث سياسياً وبالمفاوضات مع لبنان، داعياً الجيش اللبناني إلى التنسيق معه. كما نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصدر أن الخريطة تؤكد وجود القوات الإسرائيلية في تلال علي الطاهر وكفرتبنيت قرب النبطية. وطلب الجيش الإسرائيلي من الجيش اللبناني والسكان تجنّب الوصول إلى ما سماه "المنطقة الأمنية"، مؤكداً أنه سيستمر في السيطرة عليها.
سياسياً، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل لن تنسحب من هذه المنطقة، قائلاً إن إعادة الأمن إلى الشمال تتطلب الحفاظ على "المنطقة الأمنية" في لبنان. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية أن نتنياهو أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إسرائيل لا تنوي الانسحاب من جنوب لبنان ما دامت الاعتبارات الأمنية تقتضي ذلك.
كما نقلت "رويترز" عن مسؤول إسرائيلي مقرب من نتنياهو أن إسرائيل تخوض مفاوضات "معقدة وعنيدة" مع واشنطن بشأن وجودها في جنوب لبنان، ولا تنوي التراجع عن مواقفها. وأفادت تقارير إسرائيلية بأن تل أبيب لا تعتبر نفسها ملزمة بالشق المتعلق بلبنان في مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، وأن نتنياهو أبلغ ترامب بأن أي انسحاب من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل في الجنوب يبقى مشروطاً بنزع سلاح «حزب الله» بالكامل.
وفي الإعلام الإسرائيلي أيضاً، برز تباين في مقاربة الملف اللبناني. فقد نقلت "يديعوت أحرونوت" عن مصادر إسرائيلية أن الجيش طالب القيادة السياسية بالحفاظ على حرية العمل في كل لبنان، والاحتفاظ بمنطقة عازلة، والإصرار على تفكيك السلاح في الجنوب. أما "يسرائيل هيوم" فأشارت إلى أن الجيش الإسرائيلي أوقف بشكل شبه كامل تقدمه نحو عمق جنوب لبنان، وسط مخاوف من تعرض المواقع التي يتحصن فيها للاستهداف، بعدما تمكن "حزب الله" من تحديد بعضها مع مرور الوقت.
#Analysis#
وتحدثت "هآرتس" عن خيبة أمل داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من طريقة اقتراب الحرب من نهايتها، ومن الموقع الذي تجد إسرائيل نفسها فيه خلال صياغة الترتيبات الإقليمية. ووفق مصادر عسكرية، يسود الجيش قدر كبير من عدم اليقين بشأن مستقبل الانتشار في جنوب لبنان، بين من يدعو إلى الاستعداد لانسحاب منظم نحو «الخط الأصفر»، ومن يرى ضرورة فرض وقائع إضافية على الأرض لاستخدامها كورقة تفاوض.
لبنانياً، ترأس رئيس الجمهورية جوزف عون اجتماعاً في قصر بعبدا ضم قائد الجيش العماد رودولف هيكل، ورئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم، وأعضاء الوفد العسكري والفريق الاستشاري المواكب للمفاوضات. وخصص الاجتماع لتقييم التطورات الأخيرة في لبنان والمنطقة بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، والتحضير للجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية – الأميركية – الإسرائيلية في واشنطن، المقررة في 23 و24 و25 حزيران الجاري.

وزود الرئيس عون الوفد المفاوض بتوجيهاته المرتكزة على ثوابت الموقف اللبناني، ولا سيما الوقف النهائي لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي تحتلها، وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية، وعودة الأسرى اللبنانيين، وإطلاق مسار إعادة الإعمار.
وفي لقاء منفصل مع وفد فرنسي – قطري – بريطاني ضم الوزيرة الفرنسية المنتدبة للفرانكوفونية إليونور كاروا، ووزيرة الدولة القطرية للتعاون الدولي مريم بن علي بن ناصر المسند، ووزيرة التنمية البريطانية جنيفر شامبان، شدد عون على أن الاستقرار والأمن في لبنان مهمان ليس فقط للمنطقة بل لأوروبا أيضاً.
وأكد عون أن الحرب أعاقت مسار الإصلاحات الذي بدأه لبنان بعد تشكيل الحكومة، لكنه شدد على المضي في الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية والقضائية، معتبراً أنها مطلب لبناني قبل أن تكون مطلباً دولياً. ولفت إلى أن لبنان لا يحتاج إلى مساعدات فقط، بل إلى استثمارات تعيد الثقة به وتفتح الباب أمام مساهمة اللبنانيين في الاغتراب في نهوض بلدهم.
وعرض عون أمام الوفد حجم الخسائر التي تكبدها لبنان نتيجة الحرب، مشيراً إلى سقوط أكثر من 3500 شهيد، بينهم 245 طفلاً، وإصابة نحو 11 ألف شخص، إضافة إلى وجود ضحايا تحت الأنقاض ونزوح نحو مليون شخص من المناطق التي تعرضت للاعتداءات. كما تحدث عن تدمير نحو 68 ألف وحدة سكنية، وتضرر نحو 18 في المئة من مساحة لبنان، واعتداءات طاولت 277 بلدة وقرية، فضلاً عن أضرار في البنى التحتية والمدارس والمراكز الصحية.
وفي سياق أمني متصل، أوقف القضاء اللبناني، بناء على استنابة قضائية فرنسية، مواطناً يشتبه باستيراده معدات وأجهزة كهربائية تستخدم في تصنيع محركات الطائرات المسيّرة التي ينتجها "حزب الله". وبحسب مصدر قضائي، فإن الملف مرتبط بشبكة أوقف أفراد منها في فرنسا للاشتباه بتصدير معدات لصالح الحزب.
واعترف الموقوف، وهو صاحب شركة متخصصة في المعدات الكهربائية، بأنه استورد ثلاث شحنات نُقلت بحراً وأُدرجت ضمن شحنات عائدة لشركته، نافياً علمه بطبيعة استخدامها أو الغاية منها. وأبلغت السلطات اللبنانية نظيرتها الفرنسية بالتوقيف، وطلبت نسخة من التحقيقات المتعلقة بالملف.