عودة المخاطر الجيوسياسية: كيف يعيد مشروع حظر السفن في هرمز تسعير النفط؟
سارة أبو حمدان
عادت المخاطر الجيوسياسية إلى صدارة العوامل المحركة لأسواق النفط، بعدما كشف الإعلام الإيراني عن مشروع قانون يدرسه البرلمان لمنع السفن الأميركية والإسرائيلية، وسفن الدول التي تصنفها طهران «معادية»، من عبور مضيق هرمز. ويجيز المشروع فرض غرامات تصل إلى 20% من قيمة حمولة السفن المخالفة، فضلاً عن تقييد مرور الجهات التي تحملها إيران مسؤولية الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب، ما لم تدفع تعويضات.
ويتزامن مشروع القانون مع مفاوضات منفصلة حول ترتيب إيراني–عُماني مقترح لتنظيم حركة الملاحة في المضيق. وبموجب التصورات المتداولة، تسعى طهران إلى الحصول على رسوم تتراوح بين 5% و7% من قيمة الشحنات العابرة، فيما تبحث مسقط رسوماً بنحو 3%، بينما ترفض واشنطن فرض أي رسوم على المرور في الممر الدولي.
وبذلك، لا تواجه الأسواق احتمال تعطّل الإمدادات فحسب، بل شبكة متداخلة من المخاطر السياسية والقانونية والتأمينية يصعب تقدير مداها أو مدة استمرارها.
علاوة المخاطر تعود إلى الأسعار
استجابت أسواق النفط سريعاً لأنباء مشروع الحظر، فقفز الخامان القياسيان بأكثر من ثلاثة دولارات للبرميل في جلسة الخميس. غير أن الأسعار عادت إلى التراجع في تعاملات الجمعة مع تجدد الآمال في التوصل إلى ترتيب مؤقت يسمح بإعادة فتح المضيق ويمهد لمفاوضات أوسع.
وانخفضت العقود الآجلة لخام «برنت» خلال تداولات الجمعة بنسبة 0.7% إلى 81.92 دولاراً للبرميل، كما تراجع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 0.4% إلى 76.96 دولاراً. ويكشف هذا التحول السريع بين الصعود والهبوط مدى ارتباط الأسعار بالإشارات السياسية المتضاربة، أكثر من ارتباطها في الوقت الراهن بتغيرات مستقرة في العرض والطلب.
ولا تعني «علاوة المخاطر الجيوسياسية» أن السوق تتوقع بالضرورة توقف الإمدادات كلياً. فهي تعكس أيضاً ارتفاع احتمال التأخير أو الاحتجاز، وزيادة تكلفة استئجار الناقلات، وتصاعد علاوات التأمين ضد أخطار الحرب، فضلاً عن احتمال اضطرار شركات الشحن والتجارة إلى إعادة النظر في عقودها ومساراتها.
ويزداد الغموض لأن صناعة الشحن تقوم على هياكل ملكية وتشغيل معقدة. فقد تكون السفينة مسجلة في دولة، ومملوكة لشركة في دولة ثانية، وتديرها جهة في دولة ثالثة، بينما تحمل شحنة تعود إلى شركة أو تاجر في دولة أخرى. ولذلك، يفتح استخدام تعبير فضفاض مثل «السفن المرتبطة بالولايات المتحدة» الباب أمام تفسيرات متباينة، ويصعب على شركات الملاحة معرفة ما إذا كانت سفنها معرضة إلى المنع أو الغرامة أو الاحتجاز.

مأزق قانوني وتأميني
لا تقتصر العقبات أمام المقترحات الإيرانية على الموقف الأميركي. فقد حذرت جهات عاملة في قطاع الشحن من أن دفع رسوم عبور إلى سلطة إيرانية خاضعة إلى العقوبات قد يعرّض الشركات والسفن إلى تجميد الأصول أو إجراءات قانونية أميركية.
كما أضافت رابطة سوق لويدز في لندن بنداً يسمح بإنهاء التغطية التأمينية للسفينة إذا دفعت رسوماً أو مبالغ في مقابل العبور في مضيق هرمز. ويضع ذلك شركات الملاحة أمام معادلة شبه مستحيلة: إما دفع الرسوم المطلوبة والمخاطرة بمخالفة العقوبات أو فقدان التغطية التأمينية، وإما رفض الدفع والتعرض إلى المنع أو الاحتجاز أو الغرامة.
وتزداد تكلفة المرور حتى من دون تنفيذ الحظر في صورة واسعة، لأن مجرد ارتفاع احتمال المواجهة يدفع شركات التأمين إلى رفع علاوات أخطار الحرب، ويجعل ملاك السفن أكثر تردداً في إرسال ناقلاتهم إلى المنطقة. ومن ثم، يمكن أن تنتقل تكلفة الأزمة إلى أسعار الطاقة قبل وقوع انقطاع مادي كبير في الإمدادات.
هرمز وحدود البدائل
يستمد أي تهديد للملاحة في مضيق هرمز ثقله الاقتصادي من الأهمية الاستثنائية للممر ومحدودية البدائل المتاحة. ففي الظروف الطبيعية، يعبر المضيق نحو خُمس استهلاك العالم من النفط والمنتجات النفطية، إضافة إلى قرابة خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
وتملك السعودية والإمارات خطوط أنابيب تتيح تجاوز المضيق جزئياً، أبرزها خط أنابيب الشرق–الغرب السعودي الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وخط أنابيب أبوظبي الذي يصل إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان. لكن الطاقة الإضافية المتاحة في هذين الخطين لا تكفي لتعويض جميع الكميات التي تعبر هرمز.
وقدّرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية الطاقة التي يمكن تحويلها عبر الخطوط السعودية والإماراتية بنحو 2.6 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية كانت تمر عبر المضيق في عام 2024. وتوضح هذه الفجوة صعوبة تعويض أي انقطاع واسع أو طويل.
أما الالتفاف عبر طرق بحرية أطول فلا يشكل بديلاً مباشراً للسفن الموجودة داخل الخليج، لأنها تحتاج أولاً إلى عبور هرمز. وبعد خروجها منه، يمكن أن تواجه مشكلة إضافية إذا تجنبت البحر الأحمر وباب المندب واضطرت إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، بما يزيد زمن الرحلة واستهلاك الوقود وتكلفة الشحن.
تداعيات تتجاوز سوق النفط
إذا طال اضطراب الملاحة، فلن تبقى تداعياته محصورة في أسعار النفط الخام. فارتفاع تكلفة الطاقة ينتقل تدريجياً إلى البنزين والديزل ووقود الطائرات والبتروكيماويات، ثم إلى تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع.
وقد يؤدي ذلك إلى موجة جديدة من الضغوط التضخمية، في وقت تحاول فيه البنوك المركزية الموازنة بين خفض أسعار الفائدة ومنع التضخم من الارتفاع مجدداً. كما ستكون الدول الآسيوية المستوردة للطاقة من الأكثر تعرضاً إلى الخطر، نظراً إلى استحواذها على غالبية شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال العابرة للمضيق.
وفي المقابل، لا تعني زيادة الأسعار أن جميع الدول المنتجة ستكون مستفيدة. فالدول التي تعتمد في صورة شبه كاملة على موانئ الخليج قد تجد نفسها عاجزة عن تصدير إنتاجها، أو مضطرة إلى خفضه بسبب محدودية سعات التخزين، حتى لو بقيت الأسعار العالمية مرتفعة.
أسواق رهينة الخبر السياسي
تكشف التحركات الأخيرة أن سوق النفط لا تسعّر سيناريو واحداً، بل تتأرجح بين احتمالين متناقضين: انفراج سياسي يعيد الملاحة تدريجياً ويخفض الأسعار، وتصعيد قانوني أو عسكري يطيل تعطّل المضيق ويرفع علاوة المخاطر.
وسيكون العامل الحاسم هو انتقال المقترحات من مستوى الرسائل السياسية إلى إجراءات قابلة للتنفيذ. فإذا بقي مشروع الحظر قيد المراجعة وتقدمت مفاوضات العبور، فقد تتراجع علاوة المخاطر تدريجياً. أما إذا بدأت إيران تطبيق تعريف واسع للسفن «المعادية»، أو فرض رسوم تتعارض مع العقوبات وشروط التأمين، فقد تواجه حركة الملاحة اضطراباً أكبر حتى من دون إعلان إغلاق كامل للمضيق.
ولهذا ستظل أسعار النفط في المدى القريب شديدة الحساسية لكل تصريح أو تطور ميداني. فالمشكلة لا تتمثل فقط في كمية النفط التي يمكن أن تتوقف، بل في أن الناقلات وشركات التأمين والتجار لا يعرفون بعد القواعد التي سيُطلب منهم العمل بموجبها، ولا المدة التي قد تبقى فيها تلك القواعد موضع تفاوض وتجاذب.