عودة الحرب كأداة ضغط داخل مسار التفاوض
التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل لا يعني بالضرورة أن الحرب عادت كاملة إلى النقطة الأولى، لكنه يعني بالتأكيد أن الهدنة لم تعد قادرة على إخفاء هشاشتها.
فما جرى خلال الساعات الماضية من ضربات إسرائيلية داخل إيران، وردّ صاروخي إيراني باتجاه إسرائيل، ثم دخول اليمن ولبنان والعراق وسوريا والأردن في دائرة التأثر المباشر، يكشف أننا أمام مرحلة أكثر خطورة من مجرد خرقٍ عسكري محدود. نحن أمام صراع يُدار الآن بمنطق مزدوج: التفاوض على الطاولة، وإعادة رسم حدود القوة في الميدان.
حتى الآن لا يبدو أننا أمام قرار إيراني أو إسرائيلي أو أميركي بالذهاب إلى حرب شاملة ومفتوحة. فإيران، رغم إطلاقها الصواريخ، حرصت على تقديم الضربة باعتبارها "تحذيراً" وردّاً على خروق وقف إطلاق النار والعمليات الإسرائيلية في لبنان. وإسرائيل، رغم ردها وضربها أهدافاً داخل إيران، لا تزال تتحرك داخل منطق الردع والضغط أكثر من منطق الاجتياح أو الحسم الكامل. أما ترامب، فكان واضحاً في رغبته منع انفجار الموقف، عندما دعا نتنياهو إلى عدم الرد، ثم أكد أن الاتفاق مع إيران بات قريباً وأنه لا يريد أن ينهار بسبب هذا التصعيد.
لكن خطورة اللحظة تكمن في أن كل طرف يحاول تحسين شروطه قبل الاتفاق. إيران تريد أن تقول إنها لا تدخل المفاوضات من موقع المهزوم؛ فهي تدرك أن أي اتفاق مقبل، سواء حمل اسم "إعلان إسلام آباد" أو غيره، سيشمل تنازلاتٍ في ملفات حساسة، الملاحة في هرمز، الألغام، العقوبات، وربما التخصيب ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب. لذلك تحتاج طهران إلى تثبيت صورة داخلية وإقليمية مفادها أنها لا تزال قادرة على الرد، وأن وقف النار لا يعني قبولها قواعد تفرضها واشنطن أو تل أبيب وحدهما.
جاءت الضربة الإيرانية، في جانب منها، رسالةً تفاوضية بقدر ما هي رسالة عسكرية، معناها أن إيران مستعدة للعودة إلى الطاولة، لكنها لن تفعل ذلك تحت الإذلال أو بعد ضربات إسرائيلية في لبنان وإيران بلا رد. إنها تقول، إذا أردتم اتفاقاً، فليكن اتفاقاً يعترف بقدرتنا على الإيذاء وبأن لنا أوراقاً على الأرض.