عندما يُختطف الجيش من الوطن... السودان بين "الكيزان" وآثار السلاح الكيميائي
أخطر ما يمكن أن يصيب جيشاً وطنياً ليس الهزيمة في معركة، بل أن يُختطف قراره وتُستبدل عقيدته الوطنية بعقيدة أيديولوجية تخدم تنظيماً سياسياً. وهذا هو السؤال الكبير الذي يواجهه السودان اليوم: هل لا يزال الجيش مؤسسة لكل السودانيين، أم أن نفوذ الحركة الإسلامية وبقايا نظام البشير، المعروفين بـ"الكيزان"، دفعه إلى مستنقع حرب هدفها حماية مشروعهم والعودة إلى السلطة؟
لسنوات، عمل "الإخوان المسلمون" على اختراق مؤسسات الدولة وربط الولاء بالتنظيم، ولم تكن المؤسسة العسكرية بعيدة عن ذلك. وبعد سقوط نظام البشير، لم تختفِ هذه الشبكات، بل أعادت الحرب فتح الأبواب أمام عودة كتائب عقائدية وعناصر مرتبطة بالنظام السابق للقتال تحت مظلة الجيش. وهنا بدأ الخطر الحقيقي: أن تتحول مؤسسة يفترض أن تحمي جميع السودانيين إلى تحالفٍ عسكري–أيديولوجي تختلط فيه الدولة بالميليشيا، والوطن بالتنظيم، والجيش بمشروع استعادة السلطة.
وتزداد خطورة المشهد مع التحقيقات والاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية. فالولايات المتحدة أعلنت رسمياً في أيار/مايو 2025 أنها توصلت إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وفرضت على إثر ذلك عقوبات، فيما تصاعدت لاحقاً المطالب بإجراء عمليات تفتيش وتحقيقات دولية. كما ظهرت تقارير وتحقيقات تتحدث عن استخدام غاز الكلور سلاحاً، في حين تنفي السلطات السودانية هذه الاتهامات. وحتى اكتمال التحقيق الدولي المستقل وتحديد سلسلة القيادة والمسؤولين عن إصدار الأوامر وتنفيذها، يبقى السؤال الأخلاقي والسياسي مرعباً: كيف وصل السودان إلى مرحلة يُتهم فيها جيش الدولة باستخدام سلاح محرم ضد أبناء وطنه؟
إذا ثبتت هذه الاتهامات، فلن تكون الجريمة مجرد انتهاك لقوانين الحرب، بل إعلان عن انهيار خطير في معنى الجيش الوطني نفسه. فالجيش الذي يُفترض أن يكون درعاً للشعب لا يمكن أن يتحول إلى أداة أيديولوجية تضرب شعبها لحماية مشروع سياسي أو تنظيم يسعى إلى العودة للحكم.
رسالة إلى العقلاء والوطنيين الباقين في الجيش السوداني: السودان أكبر من "الكيزان"، وأكبر من أي ميليشيا أو جماعة. أوقفوا سفك دماء شعبكم، وارفضوا اختطاف مؤسستكم، وتوحدوا مع أبناء وطنكم لبناء دولةٍ مدنية وجيش مهني واحد. يكفي عبثاً بالحاضر والمستقبل؛ فالسودان يحتاج إلى من ينقذه لا إلى من يحكم فوق أنقاضه.