عندما يتكلم البحر: عن غياب الحكومة وتوريط المؤسسة الملكية
في صيف كل عام، ومع تواتر الأنباء والمشاهد قبالة معبر سبتة وفي شوارع الفنيدق، يلاحظ المتابع كيف يستغرق النقاش العمومي غالباً في التداعيات الخارجية والأبعاد الجيوسياسية لهذه الأحداث؛ حيث يُصب التركيز على العلاقات بين المغرب وإسبانيا، وتوازنات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ومسؤوليات حراسة الحدود الإقليمية. وفي حمأة هذا التجاذب الدولي، يتم التغاضي عن الأهم: البُعد الداخلي للظاهرة؛ إذ تُغفل حقيقة أن ما يجري في جغرافية الشمال المغربي ليس مجرد ملف هجرة عابر، بل هو مرآة عاكسة ومكثفة للواقع السياسي والاجتماعي بالمغرب المعاصر برُمّته.
ففي هذه الجغرافية المحددة، وتحديداً بين تطوان والمضيق وشواطئ فنيدق، وعلى مسافة كيلومترات قليلة تفصل مظلات البروتوكولات الرسمية عن السياجات الفاصلة لسبتة، أرى مشهديتين متناقضتان تماماً تتصادمان بحدة: مشهد الدولة في أقصى درجات أبهتها ورمزيتها من خلال احتفالات عيد العرش وخطاب العرش ومراسيم البيعة وحفل أداء القسم وتخرج الأفواج العسكرية، ومشهد مجتمعي مكشوف ينفجر عبر محاولات الهجرة الجماعية والهروب نحو البحر لشباب وقاصرين وشابات وأطفال وحتى أمهات يختارون الانسحاب الكلي.
بالنسبة لي، لم تعد هذه المفارقة المكثفة مجرد تباين تصادفي بين المركز والهامش، بل أراها تجلياً حياً وصارخاً لمسار طويل من تحول الفعل الاحتجاجي بالمغرب؛ مسار انزاح تدريجياً من منطق المطالبة بالإصلاح والإيمان بالتغيير من الداخل عبر الصوت، إلى القناعة بانسداد قنوات التعبير واللجوء إلى الانسحاب كخيار راديكالي وإعلان صريح عن إسقاط العقد الاجتماعي. هذه المفارقة الميدانية تكشف لي عن علة بنيوية أعمق تجعل من صورية الأحزاب وغياب الحكومة تحصيلاً حاصل مكرساً منذ سنوات، وتفضي في النتيجة إلى سلوك سياسي وتكنوقراطي أراه أقرب إلى التوريط المنهجي للمؤسسة الملكية أمام الجميع، محتجين وغير محتجين.
إن مشاهد الهجرة الجماعية واقتحام الحدود تشكل في نظري نقطة تحول بنيوية في السلوك الاحتجاجي بالمغرب تجاوزت مظاهر الفقر أو البحث التقليدي عن فرص تحسين الدخل. ففي عام 2011 مع حركة 20 فبراير كان الاحتجاج يقوم على منطق المواطنة المطالبة التي تعتمد التظاهر في الشارع للتفاوض والتغيير من داخل المؤسسات. ومع انكماش المجال السياسي وتآكل أدوار الأحزاب والنقابات انتقل الشباب إلى السلطة المضادة الافتراضية عبر الهاشتاغات والمقاطعة، قبل أن يصلوا إلى القناعة الأشد خطورة ومفادها أن الصوت لم يعد ينتج صدى. وحين ييأس الفرد – شباباً كانوا أم قاصرين أو شابات وأمهات يحملن أطفالهن – من قدرة المنظومة على التعديل الذاتي مع تفاقم البطالة وتراجع جودة التعليم والصحة، يتخلى عن خيار المطالبة ويتجه كلياً نحو الانسحاب والهروب المادي، لتصبح الهجرة ركوباً للمخاطر وتعببراً عن قطيعة مع العقد الاجتماعي، وإعلاناً صريحاً عن يأس الفرد من إمكانية صناعة مستقبل داخل المجال العام المحلي.
أشعر بأسى عميق وأنا أرى أزمة الانكشاف المؤسساتي تجلي بأوضح صورها التراجيدية حين تتصادم الصورة الرسمية للدولة مع الواقع الميداني للشارع في جغرافية واحدة وزمان واحد، لتنتج مفارقة رمزية وسياسية حادة. ففي مدينة المضيق ونواحيها، حيث تقام احتفالات عيد العرش وحفل أداء القسم وتخرج الأفواج العسكرية، تتبدى الدولة في أبهى تجلياتها المؤسساتية والرمزية من خلال خطاب العرش الذي يؤكد استمرار العقد التاريخي ويشدد على ثوابت الاستقرار، ومراسيم البيعة التي تجسد الشرعية والامتداد، في مشهدية تُبرز هيبة الدولة ومؤسساتها الصلبة. لكن على بعد كيلومترات قليلة فقط وفي نقطة تماس مباشرة من هذه الشواطئ والجبال ذاتها، تنفجر محاولات الاقتحام والهجرة الجماعية لمئات الشباب والشابات والأسر نحو سبتة، في سلوك أراه يشكل احتجاجاً بالانسحاب الكلي وإعلاناً عملياً عن عدم تقاطع يوميات المواطن مع الوعود التنموية للخطاب الرسمي، حيث تنصهر البروتوكولات الرسمية وأجواء الاحتفال على بعد خطوات فقط من مياه يركبها المحبطون فراراً من واقعهم.
إن التقاء هذين المشهدين في ذات الرقعة جغرافياً يكشف لي عن تجريد العرش من حواجزه ومصداته الوقائية. يفترض في المعمار الدستوري أن تلعب الحكومة والأحزاب دور العازل الذي يمتص الصدمات ويمارس التدبير اليومي ويتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عند الفشل، غير أن تحول الفاعلين الحزبيين والتنفيذيين إلى ممارسة الإنكار المؤسساتي وتصدير الأزمات أدى إلى إفراغ هذه المؤسسات من معناها الميداني. إن استراتيجية الاختباء خلف التوجيهات السامية ونسب كل الإنجازات للرؤية الملكية مقابل التواري عند الأزمات تدفع الشارع المحتج والفئات الصامتة بغير خيار إلى توجيه الانتظارات والغضب فوراً ونحو العرش باعتباره الفاعل الوحيد القادر على الحسم والتدخل.
تكمن الخطورة الحقيقية المترتبة عن هذا التوريط، كما أراها، في نشوء قطبية ثنائية حادة بين دولة محتكرة للقرار في الأعلى ومواطن محبط ومنسحب وفار في الأسفل. إن المفارقة بين بروتوكولات احتفالات العرش بالمضيق وبين مشاهد الهرب الجماعي التي تجري على مسافة شبر منها ليست مجرد تباين تصادفي، بل هي تجسيد صارخ لعجز الوساطة السياسية ونتاج سلوك سلطوي وتكنوقراطي يريد الاستفادة من السلطة دون تحمل كلفة المسؤولية. وحين تعجز الحكومة عن أن تكون جسراً بين طموح الملك وحاجة المواطن يتلاشى أثر الخطاب الرسمي أمام قسوة الميدان، وتغدو الطبقة السياسية والتنفيذية بتهربها وإنكارها تترك رأس الدولة عارياً ومكشوفاً وحيداً في نقطة التماس المباشرة مع جيل وأسر لم تعد تطلب التظاهر أو التفاوض، بل اختارت المغادرة والانسحاب.
إن الخطورة الكبرى لاحتكار القرار السيادي وتأميم المجال السياسي تكمن في رفع التكلفة المستقبلية للاستقرار بشكل غير مسبوق؛ فعندما تُجرَّد الطبقة السياسية والوسائط المؤسساتية من فاعليتها وقدرتها على التفاوض، تسقط بالضرورة قدرتها على امتصاص الصدمات، مما ينقل الغضب الشعبي مباشرة وبلا حواجز نحو مركز القرار الفعلي. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تآكل “شرعية الإنجاز” أمام الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة، بل يتجاوز ذلك ليُحوّل سلوك الشارع من منطق “المطالبة والتفاوض” إلى خيار “الانسحاب والقطيعة الكلية” وتأكيد انكسار العقد الاجتماعي، وهو ما يضع الدولة في النهاية أمام واقع خطير يتمثل في الانكشاف المؤسساتي التام وغياب أي مصدات أو قيادات مجتمعية قادرة على إدارة الأزمات وإعادة بناء الثقة العامة عند أي تعثر أو هزة كبرى.