عندما سبقت الإرادة الخريطة: يوم عهد الاتحاد فلسفة التأسيس وسياسة البقاء

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

الخوري ريمون أبي تامر


لا تُبنى الدول بالخرائط والحدود فقط، ولكنها تُبنى أولًا بـ"عهد". والعهد هو قرار أخلاقي قبل أن يكون قراراً سياسياً.

 

وقّع حكام الإمارات الست وثيقة الاتحاد والدستور الموقت في 18 تموز/يوليو 1971، قبل أن يُعلن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، ثم اكتمل الاتحاد بانضمام إمارة رأس الخيمة في شباط/فبراير 1972.

هنا يكمن عمق "يوم عهد الاتحاد". فهو أبعد من مجرد ذكرى أو محطة تاريخية؛ إنه استدعاء فلسفي لسؤال مركزي: ما الذي يجعل مجموعة إمارات متفرقة تتحول إلى دولة واحدة قادرة على الصمود والازدهار لأكثر من خمسة عقود؟

 

ما كان الجواب محصوراً في الثروة النفطية أو الموقع الجغرافي، إنما في الإيمان بأن الوحدة ليست تنازلاً عن السيادة، وإنما هي أسمى صور ممارستها؛ سيادة الإرادة الحرة والاختيار المشترك.

 

فلسفة الاتحاد: سبع امارات .... إرادة واحدة

 

التاريخ السياسي مليء بمحاولات وحدوية أخفقت لأنها قامت، في معظم الأحيان، على الإلغاء؛ إلغاء الخصوصيات، وإذابة الهويات المحلية، وفرض المركز على الأطراف.

 

ولكن عهد الاتحاد الإماراتي، قام  على الاعتراف بالتنوع. الاعتراف بأن لكل إمارة تاريخها وخصوصيتها، وأن الاتحاد لا يمحو هذه الخصوصيات، بل يصونها داخل إطار وطني جامع. إنها فلسفة سياسية نادرة، تجمع بين اللامركزية في احترام التنوع، والوحدة في تحقيق الهدف المشترك.

 

لذلك لم يكن الاتحاد مشروع لحظة عابرة، فهو مشروع وعي سياسي؛ وعي بأن المصير المشترك أثمن من المجد الفردي، وأن "السياج الحامي"، كما وصفه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ليس عبارة عن مجرد قوة مادية، ولكنه عقد وطني يتجدد مع كل جيل.

 

الأهمية السياسية: دولة تبني نفسها وهي تبني العالم

 

بعد الإعلان الرسمي عن قيام الدولة، لم تواجه الإمارات تحديات التأسيس فحسب،  فواجهت أيضاً تحديات البقاء في منطقة تعج بالصراعات، والتحولات الجيوسياسية، والأزمات الاقتصادية، والتغيرات التكنولوجية.

 

ما الذي جعل الدولة تصمد وتتقدم؟

يكمن الجواب في المبادئ التي أرساها عهد الاتحاد منذ البداية:

 

أولاً، الوحدة بوصفها قيمة لا تقبل المساومة، بحيث لا يتحول أي خلاف داخلي إلى تهديد لكيان الدولة.

 

ثانياً، شرعية الإنجاز؛ إذ لم تكتفِ الدولة بطلب الولاء عبر الخطاب، قامت بتعزيزه بالعمل والإنجاز، من خلال بناء المؤسسات، والمدارس، والمستشفيات، والبنية التحتية، فأصبح المواطن شريكاً في المشروع الوطني.

 

ثالثاً، الانفتاح باعتباره استراتيجية قوة، إذ أدركت الإمارات أن أمن الدولة الحديثة يتعزز بحضورها العالمي، وبقدرتها على أن تكون مركزاً اقتصادياً وإنسانياً وثقافياً مؤثراً.

 

وبهذا المعنى، يذكّر يوم عهد الاتحاد سنوياً بأن الدولة ليست مشروعاً اكتمل وانتهى، إنما مشروعاً مستمراً يتجدد مع الزمن.

 

البعد الوجودي: تجديد العهد مع الزمن

 

لكل دولة تقريباً يوم استقلال، لكن قلة من الدول تحتفل بيوم للعهد. فالاستقلال ينظر إلى الماضي ويسأل: متى تحررنا؟ أما العهد فيتطلع إلى المستقبل ويسأل: ماذا اتفقنا أن نصبح؟

 

لذلك، فإن الاحتفال بيوم عهد الاتحاد لا يقتصر على استذكار حدث تاريخي، ولكنه يمثل تجديداً للإرادة الوطنية، وتجديداً للعهد مع الوطن والشعب. إن هذا التجديد هو من أهم الأفعال السياسية، لأنه يحوّل الوحدة من ذكرى تاريخية إلى ممارسة يومية، ومن شعار إلى مسؤولية متجددة. وهو أيضاً رسالة إلى الأجيال الجديدة بأنهم ليسوا ورثة دولة ناجحة فحسب، فهم ورثة مسؤولية الحفاظ على هذا المشروع الوطني، ومواصلة حمل رايته نحو المستقبل.

 

النموذج الإماراتي

 

تكمن فرادة عهد الاتحاد في أنه قدّم نموذجاً عربياً مختلفاً؛ نموذجاً يثبت أن الوحدة لا تستلزم إلغاء الخصوصيات، وأن احترام التنوع يمكن أن يكون مصدراً للقوة لا سبباً للانقسام. لقد برهن هذا النموذج أن الدولة الحديثة تستطيع أن تجمع بين الأصالة والتحديث، وبين الهوية الوطنية والانفتاح العالمي.

 

وفي زمن تتعرض فيه دول كثيرة للصراعات والانقسامات، يقدّم يوم عهد الاتحاد درساً سياسياً وفلسفياً بالغ الأهمية: أن القوة لا تتحقق بفرض الوحدة بالقوة، وإنما ببناء الإرادة المشتركة على الرضا والثقة. وأن أعظم إنجاز سياسي لا يقتصر على تأسيس الدولة، ولكن يتمثل في تأسيس قدرتها على الاستمرار والتجدد.

 

العهد أبعد من ذكرى... فهو طريقة حكم

 

لا يُعد يوم عهد الاتحاد مجرد مناسبة وطنية، لانه اختبار سنوي لمدى الوفاء للرؤية التي وضعها الآباء المؤسسون. فالدول لا تنهار عادة بسبب الأخطار الخارجية وحدها، بل حين ينسى أبناؤها الأسباب التي دفعتهم إلى الاتحاد منذ البداية.

 

ولعل من أعمق ما يميّز التجربة الإماراتية أنها جعلت من 18 تموز مناسبة لتجديد معنى الاتحاد قبل الاحتفاء بثماره في 2 كانون الأول. فالعهد هو الذي سبق الدولة، والإرادة المشتركة هي التي مهّدت لقيامها.

 

واليوم، مع التطلع إلى مئوية الإمارات 2071، يكتسب هذا العهد بُعداً جديداً؛ إذ لا يقتصر على استذكار لحظة التأسيس، ولكنه يرفع ليتحول إلى التزام متجدد ببناء مستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة، قائم على الاستثمار في الإنسان، وترسيخ المعرفة، وتعزيز الابتكار، وصون الهوية الوطنية في عالم سريع التحول. وهكذا يصبح الوفاء لعهد المؤسسين فعلاً يومياً، لا مجرد احتفال سنوي.

 

وفي ذلك تكمن عظمة يوم عهد الاتحاد؛ ليس لأنه اليوم الذي وُلدت فيه الدولة، بل لأنه اليوم الذي وُلدت فيه الفكرة التي جعلت قيام الدولة ممكناً: أن المستقبل يُصنع بالإرادة المشتركة والاتفاق، لا بالصدفة، وأن العهد الحقيقي هو الأساس الذي تقوم عليه الأوطان، وتستمد منه قدرتها على الاستمرار والتجدد عبر الأجيال.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية