عندما تصبح الهواجس حقائق سياسية: الموارنة والشيعة نموذجاً

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

حسام أبو حمدان - طبيب وأستاذ جامعي


 

 

سيكولوجية الخوف: عندما يصنع الوهم واقعاً
في لبنان، لا تكفي الوقائع وحدها لفهم السياسة. فغالباً ما تكون الهواجس أقوى من الحقائق نفسها. إذ يكفي أن تشعر جماعة ما أن وجودها أو دورها مهددان حتى تبدأ بالتصرف على أساس هذا الخطر، سواء كان وشيكاً أم مبالغاً فيه. وعند هذه النقطة، لا تعود الهواجس مجرد مشاعر جماعية، بل تتحول إلى قوة سياسية تصنع الوقائع وتعيد تشكيلها.

من "الأمة المرجوة" الى لبنان الكبير
يورد الباحث أنطوان سلامة عن الأب ميشال الحايك تفسيراً يربط جانباً من الانفتاح الماروني التاريخي على الغرب بإحساسٍ بتفوق وتفرد ثقافي وحضاري تعزز عبر قرون من التفاعل مع أوروبا. هذا الانفتاح الماروني التاريخي على الغرب، ثقافياً وحضارياً، تعزز عبر قرون من التفاعل مع أوروبا. وهكذا شكل الموارنة وعياً طائفياً تطور تدريجاً إلى ما يشبه القومية، تبلور في فكرة "الأمة المرجوة" في مواجهة قوميتين منافستين، العربية والتركية. وتبلورت هذه العصبية تدريجاً في مشروع سياسي كياني انتهى إلى قيام لبنان الكبير. ولم يكن هذا الوعي مجرد تعبير طائفي عابر، بل رؤية لدور لبنان وهويته وموقعه. واليوم، يتجلى الهاجس الماروني في الخوف من تراجع الدور السياسي والثقافي للمسيحيين، في ظل التحولات الديموغرافية والهجرة المستمرة.

من جبل "المتصرفية" إلى جنوب الحرمان
في المقابل، تشكل الهاجس الشيعي عبر مسار مختلف. بعد قيام الدولة، سادت لدى كثيرين قناعة بأن الدولة استمرت في إدارة البلاد بعقلية أقرب إلى "المتصرفية" وحدودها الضيقة. فالمناطق التي ضُمّت إلى لبنان الكبير عانت لعقود من الحرمان الاقتصادي والتهميش السياسي المتواصل، قبل أن يزداد الشعور بالتهديد مع الصراع المفتوح مع إسرائيل وما خلّفه من احتلال وحروب وتدمير، ما دفع الإمام موسى الصدر مراراً إلى مطالبة الدولة بدخول الجيش اللبناني إلى الجنوب لحماية أهله. كما صدرت عن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عام 1977 "ورقة العمل الإصلاحية" التي أكدت نهائية الكيان اللبناني، ودعم سلطة الجيش اللبناني بصفته القوة المسلحة الوحيدة، ورفض زج لبنان في محاور إقليمية ودولية تؤدي إلى تقزيم دوره أو إفقاده خصوصيته. كانت تلك دعوة مبكرة وتأسيسية لما يمكن تسميته "الحياد التوازني"، قوبلت آنذاك باتهاماتٍ حادة من اليسار اللبناني للقيادات الشيعية بالتخاذل. ومن هنا نشأ شعور متراكم بالحاجة إلى ضمانات أمنية وسياسية في مواجهة ما يُنظر إليه داخل البيئة الشيعية كتهديد وجودي.
ومن مفارقات التاريخ اللبناني أن شيعة الجنوب والمسيحيين تقاطعوا ميدانياً في معاناتهم من تجاوزات المنظمات الفلسطينية المسلحة خلال الحرب، لكنهم افترقوا في مقاربة الصراع العربي- الإسرائيلي وتموضع لبنان الإقليمي. تقاطعت المعاناة وافترقت القراءة الاستراتيجية، وهنا يكمن أحد جذور المأزق اللبناني المستمر.

وهمُ "التحالف الطبيعي" وصدمة الأرشيف
على الضفة المقابلة، لم يكن يوماً خيار التحالف مع إسرائيل محل إجماعٍ مسيحي أو ماروني، بل بقي موضع انقسام حاد داخل البيئة المسيحية نفسها. ينطلق بعض منظري اليمين المسيحي من فكرة "الانسجام الطبيعي" بين أقليتين يهودية ومسيحية ومتشابهتين ثقافياً وحضارياً وفي العلاقة مع الغرب، وسط "بحر عربي مسلم". أظهر الباحث سكوت أبرامسون أن هذا المشروع تعثر بنيوياً من الطرفين معاً: توجس ماروني تاريخي من الأطماع الصهيونية التوسعية والمنافسة الاقتصادية، وتخوف صهيوني من نخبة مسيحية لبنانية متضامنة بنيوياً مع القضايا العربية، قادها رجالات من طينة نجيب عازوري، وريمون إده، والرئيس شارل حلو، وموريس الجميل وغيرهم من الشخصيات التي جمعت بين التمسك بلبنان والانخراط في قضايا محيطه العربي.

الهواجس تتحول الى حقائق سياسية
ورغم اختلاف المنطلقات، فإن الهاجسين يشتركان في طبيعتهما الوجودية. وحين يشعر مكوّن أساسي أن كيانه أو دوره مهددان، لا تعود تكفيه آليات الحكم التقليدية أو معادلات المحاصصة المعتادة، بل يبحث عن ضمانات أعمق وأكثر استدامة.
لكن ثمة حقيقة لا بد من الإقرار بها: ليست كل الهواجس مطابقة للواقع، وإن كانت جميعها مؤثرة فيه. فالخوف المسيحي من فقدان الكيان قد يدفع بعض الخطابات السياسية إلى المبالغة في تقدير مخاطر الداخل، أو قراءة التحولات الإقليمية بمنظار الخوف أكثر من المصالح والوقائع. وفي المقابل، قد يؤدي تحويل هاجس الحماية إلى عقيدة سياسية دائمة وإلى التعامل مع أي نقاش حول الاستراتيجية الدفاعية أو دور الدولة باعتباره تهديداً وجودياً في ذاته. كما أن بعض القوى السياسية يجد في تضخيم المخاوف الجماعية وسيلة فعالة لحشد الأنصار وتعزيز مواقعها السياسية.
وهنا تكمن إحدى خصوصيات التجربة اللبنانية، فالهواجس لا تبقى مجرد مشاعر أو تصورات نفسية، بل تتحول تدريجاً إلى حقائق سياسية قائمة في ذاتها.
فالخوف من فقدان الدور ينتج خياراتٍ سياسية حقيقية، والخوف من التهديد الخارجي ينتج بدوره سياسات وتحالفات وموازين قوة. وعندما تبلغ الهواجس هذا المستوى من التأثير، تصبح جزءاً من الواقع الذي يفترض أنها مجرد انعكاس له.

الـ 10452 كم²: النزاع داخل المساحة لا عليها
ولا يمكن فهم لبنان الحديث من دون التوقف عند الدور الذي أداه المسيحيون عموماً والموارنة خصوصاً في النهضة الثقافية والتعليمية والاقتصادية التي عرفها المشرق. فمن الصحافة إلى الجامعات إلى الانفتاح على العالم، ساهمت هذه النخب في بناء نموذج لبناني تعددي منح البلاد فرادتها. ويرى كثيرون من اللبنانيين أن هذا النموذج يشكل نقيضاً ثقافياً وسياسياً لمشاريع الأحادية السياسية والثقافية، ما يجعل الحفاظ عليه مصلحة وطنية تتجاوز حدود أي طائفة.
من هنا، لا يبدأ الحل من نفي هاجس لحساب هاجس آخر، ولا من مقايضة ضمانة بضمانة مقابلة. كما أن أي نقاش جدي حول سلاح المقاومة لا يمكن أن ينطلق من الرفض المطلق أو القبول المطلق، بل من سؤالين متلازمين لا ينفصلان: ما هي الوظيفة الاستراتيجية لهذا السلاح في حماية الكيان اللبناني، وما هي تكلفته على سيادة الدولة وقرارها الحربي والسلمي؟ وهل يمكن بناء صيغة تكاملية بين منطق الدولة ومتطلبات الدفاع الوطني، بحيث تُصاغ الوظيفة والتكلفة معاً ضمن مشروع واحد، بدلاً من استمرار الصدام بينهما؟
ورغم كل الانقسامات، تكشف الوقائع الاجتماعية عن حقيقة مختلفة. فقد أظهرت الأزمات المتلاحقة، ولاسيما منها أزمة النزوح الحالية، قدرة اللبنانيين على التضامن واحتضان بعضهم البعض عند الشدائد، كما تظهر معظم الاستطلاعات تمسكاً واسعاً بوحدة لبنان ورفض مشاريع التقسيم. ورغم الحضور الدوري للأطروحات الانعزالية أو العابرة للحدود، فإنها لم تنجح حتى الآن في إنتاج إجماع وطني بديل من صيغة الدولة اللبنانية.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن أياً من المكونات لا يستطيع تأمين ضمانته الوجودية منفرداً. فالمسيحي لا يستطيع حماية دوره خارج الشراكة الوطنية، والشيعي لا يستطيع حماية أمنه خارج الشرعية الوطنية. لذلك تبقى الضمانة الوحيدة القابلة للاستمرار هي الضمانة المتبادلة داخل دولةٍ قادرة وعادلة.
قد يختلف اللبنانيون على السلاح، وعلى هوية لبنان الإقليمية، لكنهم لم يتفقوا بعد على بديل من لبنان نفسه. وبين هواجس الموارنة وهواجس الشيعة، تبقى الـ10452 كلم² المساحة الوحيدة التي لا يزال الجميع يتنازعون داخلها لا عليها. وهذه، رغم كل الانقسامات، تبقى نقطة البداية لأية تسوية مستقبلية.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية