عندما تصبح المأساة "رسالة": كيف تعمل Atrocity Propaganda في الحروب الحديثة؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

يارا صولي 

 

 

 

في كل حرب معاصرة، لا تقتصر المواجهة على ساحات القتال التقليدية، بل تمتد إلى فضاء أكثر تعقيداً يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بمعركة السرديات. فإلى جانب الصراع العسكري المباشر، تدور معركة موازية على مستوى الوعي العام: من يُعرَّف كضحية؟ ومن يُصوَّر كخطر؟ ومن يملك حق تفسير العنف قبل اكتمال الصورة الكاملة للأحداث؟ ضمن هذا الإطار، يظهر مفهوم Atrocity Propaganda أو "دعاية الفظائع" بوصفه أحد أهم أدوات التأثير السياسي والإعلامي في الحروب الحديثة. هذا المفهوم لا يقوم بالضرورة على اختلاق الوقائع، بل على آليات أكثر تعقيداً مثل الانتقاء، والتضخيم، وإعادة ترتيب عرض الحدث بما يؤدي إلى توجيه الإدراك العام نحو قراءة محددة للصراع. وفي عصر الإعلام الرقمي وتسارع تدفق المعلومات، لم يعد التفوق العسكري كافياً، بل أصبح التفوق في إنتاج السردية جزءاً أساسياً من بنية القوة السياسية.

ما المقصود بـ Atrocity Propaganda؟
هي استخدام صور ومشاهد وشهادات عن أعمال عنف يُنسب تنفيذها إلى "الطرف الآخر"، بهدف إحداث صدمة عاطفية وأخلاقية تدفع الجمهور إلى تبني موقف سياسي أو عسكري محدد. هذه المواد قد تكون وقائع موثقة بالكامل، أو أحداثاً حقيقية لكنها معروضة بشكل انتقائي، أو روايات تم تضخيمها وإعادة صياغتها ضمن إطار معين. وفي جميع الحالات، يبقى السؤال المركزي ليس فقط "ماذا حدث؟" بل "كيف تم تقديم ما حدث؟".
ولأن الجمهور لا يعيش الحرب بشكل مباشر، فإنه يتعامل مع الحدث عبر وسائط متعددة تشمل الكاميرا، والعناوين الإخبارية، والتصريحات الرسمية، والمحتوى المتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا يعني أن الطرف القادر على السيطرة على الرواية الأولى يملك أفضلية كبيرة في تشكيل الرأي العام، لأن الإدراك الأولي غالباً ما يحدد اتجاه الفهم اللاحق.

كيف تستخدم الدول أو الجهات السياسية دعاية الفظائع لتمرير رسائلها السياسية؟
تعتمد هذه الاستراتيجية على مجموعة من الأدوات المتداخلة، يمكن تلخيصها كما يلي:
● التركيز على أحداث صادمة وعنيفة: إبراز هجمات أو جرائم ارتكبها الطرف الآخر بهدف إثارة التعاطف والغضب والخوف.
● التغطية الإعلامية المكثفة: نشر الصور والشهادات ومقاطع الفيديو عبر التلفزيون والمواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي.
● الرسائل الرسمية: تصريحات المسؤولين والدبلوماسيين التي تربط الأحداث بأهداف سياسية أو عسكرية محددة.
● الحملات الرقمية: استخدام الحسابات الرسمية والإعلانات والمؤثرين والمحتوى القصير للوصول إلى جمهور واسع.
● التواصل مع الإعلام الدولي والمنظمات الأجنبية: إجراء مقابلات صحفية ومؤتمرات وإرسال مواد للصحافيين وصناع القرار.
● التأطير السردي (Framing): تقديم الصراع ضمن قوالب تفسيرية جاهزة مثل الدفاع عن النفس، مكافحة الإرهاب، حماية المدنيين، أو مقاومة الاحتلال، بما يحدد كيفية فهم الجمهور للأحداث.


ذلك في الحروب الحديثة يأتي دور الصور والاعلام، وتصبح الصورة عنصراً مركزياً في بناء السردية، إذ تختصر خطاباً كاملاً في لحظة واحدة. لذلك غالباً ما يتم التركيز على صور الأطفال والعائلات، لحظات الذعر والبكاء، الملاجئ، وصفارات الإنذار، والمقاطع القصيرة سريعة الانتشار. في المقابل، قد يتم تقليل أو إعادة تأطير صور أخرى ضمن سياقات تفسيرية مختلفة.
وهنا لا تكمن الإشكالية فقط في وجود أو غياب المعلومة، بل في عملية الانتقاء نفسها: أي معاناة تُعرض(القتلى الاسرائيلين)، وأي معاناة تُهمَّش (عدد القتلى في صفوف الجيش الاسرائيلي)

السردية الإسرائيلية كنموذج لفهم الآلية
بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، يمكن ملاحظة كيف تم تحويل حدث ما إلى سردية سياسية وإعلامية موجهة للرأي العام الغربي. منذ الساعات الأولى، ركّز الخطاب الإسرائيلي على مشاهد ذات طابع إنساني شديد الصدمة: عائلات مذعورة، رهائن، مدنيون قُتلوا أو فُقدوا، وشهادات شخصية مشحونة بالخوف والانهيار. هذه الصور لم تُستخدم فقط لتوثيق الحدث، بل لبناء إطار إدراكي يجعل المتلقي يرى ما حدث بوصفه اعتداءً على الإنسانية أكثر من كونه حلقة في صراع سياسي طويل. في هذه اللحظة تحديداً، يصبح المتلقي أقل ميلاً لتحليل السياق السياسي المعقد، وأكثر استعداداً للاستجابة العاطفية المباشرة، وهو ما يفسّر قوة التأثير الأولي لهذه السرديات في تشكيل الرأي العام.

لم تعتمد السردية فقط على عرض الضحايا، بل على طريقة تفسير الحدث نفسه. وقد تكررت ثلاث رسائل أساسية بشكل واضح:
أولاً: "نحن ضحايا هجوم غير إنساني" تم التركيز على القصص الفردية والمشاهد العاطفية، لأن التفاعل الإنساني يكون أقوى مع الوجوه والقصص مقارنة بالأرقام والإحصاءات المجردة.
ثانياً: "هذه حرب ضد الإرهاب" تم إدخال الحدث ضمن إطار مفاهيمي عالمي مرتبط بمفهوم الإرهاب، خاصة في السياق الغربي بعد أحداث September 11 attacks، حيث أصبح مصطلح "الإرهاب" يحمل شحنة أخلاقية وسياسية مسبقة تبرر الرد العسكري وتقلل مساحة النقاش حوله.
ثالثاً: "إسرائيل تدافع عن نفسها" وهذه ربما كانت الرسالة الأكثر تأثيراً. فعندما يُقدَّم الفعل العسكري على أنه دفاع عن النفس، يتحول النقاش من سؤال: "هل هذا الفعل مبرر؟" إلى سؤال: "كيف يمكن لدولة ألا ترد؟". هنا تتجلى قوة التأطير الإعلامي، إذ لا يقتصر الهدف على إقناع الجمهور، بل على تحديد الطريقة التي يُفكّر بها أصلاً.

إسرائيل: من الدفاع عن النفس إلى إعادة إنتاج الشرعية الأمنية لاحتلال جنوب لبنان
في دراسات العلاقات الدولية، لا يُفهم التحول من "الدفاع عن النفس" إلى تبرير النفوذ خارج الحدود كتحول لغوي بسيط، بل كجزء من عملية أوسع لإعادة إنتاج ما يُعرف بـ"الشرعية الأمنية" ضمن سياقات الصراع الممتد. ويمكن تحليل هذا التحول عبر مجموعة من المفاهيم:
في إطار Border Security وCross-border Threats، يُعاد تقديم العمليات العسكرية كاستجابة ضرورية لمخاطر مستمرة. ضمن هذا المنطق، يظهر مفهوم Buffer Zone كأداة جغرافية أمنية تهدف إلى خلق عمق استراتيجي يفصل بين التهديد والسكان المدنيين، بينما يرتبط ذلك بمنطق Deterrence Theory الذي يرى في القوة العسكرية وسيلة لمنع التهديد عبر إعادة تشكيل سلوك الخصم.
وفق Framing Theory، فإن السلطة السياسية لا تتحكم فقط في الفعل، بل في طريقة تفسيره، أي ما يُعتبر تهديداً وما يُعتبر رداً مشروعاً. ومن هنا، ينتقل الخطاب من Self-Defense إلى Preemptive Self-Defense ثم إلى Preventive Security Doctrine، وهو ما يعكس تحولاً تدريجياً في بنية التفكير الأمني نحو توسيع مفهوم الدفاع ليشمل ما قبل التهديد نفسه.
أما Securitization Theory لمدرسة كوبنهاغن، فتشير إلى أن تحويل قضية سياسية إلى "تهديد وجودي" يسمح بتبرير إجراءات استثنائية تتجاوز القواعد التقليدية. ضمن هذا الإطار، يصبح الخطاب الأمني وسيلة لإعادة تعريف حدود السيادة، بحيث يمكن تبرير التواجد أو النفوذ خارج الحدود بوصفه ضرورة أمنية لا خرقاً للسيادة.
كما تُستخدم مفاهيم مثل Risk Management وSecurity Environment Reshaping للإشارة إلى تحويل الجغرافيا من فضاء سيادي ثابت إلى مجال أمني مرن يمكن إعادة تشكيله وفق التهديدات. وهذا يسمح بنقل النقاش من الشرعية القانونية إلى الفعالية الأمنية.
ترتبط قوة هذه السرديات بعدة آليات نفسية وإدراكية معروفة، من بينها تأثير التكرار في تعزيز المصداقية (Illusory Truth Effect)، والاعتماد على الانطباعات الأولى، إضافة إلى هيمنة المحتوى العاطفي على التحليل العقلاني. ومع الوقت، تتشكل ما يُعرف بـ"الفقاعة الإدراكية" (Filter Bubbles / Echo Chambers)، حيث يبدأ الأفراد بالاعتقاد أنهم يرون الحقيقة الكاملة، رغم أنهم يتلقون نسخة مفلترة منها.ويعتمد الخطاب السياسي والإعلامي على هذه الآليات عبر التكرار، واستثارة العاطفة، وتبسيط الصراع، وتقسيمه إلى ثنائيات أخلاقية مثل الضحايا مقابل المذنبين، لما لذلك من قدرة عالية على الانتشار والتأثير.

وفي النهاية لا تُختزل Atrocity Propaganda في كونها مجرد تضليل إعلامي، بل هي آلية معقدة لإعادة تشكيل الإدراك العام للعنف عبر الانتقاء والتأطير وإدارة الانتباه. والخطر الأساسي لا يكمن فقط في دقة المعلومات، بل في تحويل جزء من الحقيقة إلى سردية مكتملة تُقدَّم بوصفها الحقيقة الكاملة.
في النهاية، لا تُحسم الحروب الحديثة فقط في ميادين القتال، بل أيضاً في فضاء اللغة والصورة والذاكرة، حيث تصبح السردية عنصراً حاسماً في تحديد الشرعية السياسية، وتوجيه المواقف الدولية، وصياغة الطريقة التي يُكتب بها التاريخ لاحقاً.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية