عندما أعاد قيس سعيّد إنتاج الاستبداد باسم إنقاذ الدولة
لا يمكن اختزال المأزق الذي تعيشه تونس منذ سنوات في مجرّد خلاف سياسي بين سلطة ومعارضة، ولا يمكن اختصاره في السجال الذي تفجّر حول الأبعاد الخطيرة لانقلاب 25 يوليو (2021)، بل أصبح رديفاً لأزمة بنيوية عميقة تمسّ طبيعة الدولة نفسها، وحدود السلطة وصلاحيات رئيس الدولة، ومستقبل التجربة الديمقراطية التي وُلِدت من رحم ثورة الياسمين. فما يجري يكشف انتقال تونس تدريجياً من منطق إدارة الاختلاف السياسي إلى منطق إدارة المجتمع بالأدوات الأمنية والقضائية، في ظلّ خطاب رسمي يجعل من تهمة “التآمر على الدولة” تفسيراً جاهزاً لكلّ أزمة، ومن “الأمن القومي” مبرّراً لتوسيع دائرة الاستثناء وتقليص المجال العام وتقويض أسس دولة الحقّ والقانون واغتيال حرّية التعبير والتفكير.
ولعلّ ردّة الفعل الرسمية العنيفة والانفعالية على مقابلة أجراها الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، قبل أيّام، مع قناة فرانس 24، وما تبعها من استدعاء السفيرة الفرنسية، لم يكونا سوى حلقة جديدة في هذا المسار. فبعيداً من مضمون تصريحات المرزوقي، والاتفاق أو الاختلاف معها، فإنّ قرار الاستدعاء يكشف درجةَ الحساسية التي أصبحت السلطة تبديها تجاه كلّ خطاب معارض يصدر من الداخل أو الخارج. وكأنّ مجرّد التعبير عن رأي مخالف أصبح يُقرأ تهديداً للدولة، لا ممارسةً لحقّ سياسي مشروع.
ومنذ جمع الرئيس قيس سعيّد بين السلطات التنفيذية والتشريعية، ثمّ أعاد تشكيل السلطة القضائية وأقرّ دستوراً على المقاس منح الرئاسة صلاحيات واسعة، دخلت تونس مرحلة عنوانها الأبرز: تركيز السلطة في يد شخص الرئيس. وقد سُوّق هذا المسار (المعجزة) ضرورةً لإنقاذ الدولة من الفساد والشلل السياسي وحماية المؤسّسات من الانهيار. غير أنّ الحصيلة، بعد خمس سنوات من العبث والقمع والانتقام من الأصوات المعارضة والصحافة الحرّة، تكشف واقعاً مختلفاً، إذ لم تنجح هذه المقاربة في معالجة الاختلالات البنيوية والأعطاب المزمنة، بل أفرزت أزمةً سياسيةً أكثر عمقاً، وزجّت تونس في نفق عزلة سياسية وحقوقية غير مسبوقة.
لقد تحوّلت المعارضة في تونس، بمختلف أطيافها الفكرية والسياسية، إلى هدف دائم للملاحقات والمحاكمات. ولم يعد الأمر مقتصراً على تيّار سياسي بعينه، بل امتدّ ليشمل إسلاميين ويساريين وقوميين وليبراليين ونقابيين وحقوقيين وصحافيين وقضاة ومحامين ونشطاء مجتمع مدني. وكأنّ القاسم المشترك الوحيد بينهم معارضة السلطة القائمة. ولم تشفع السنّ ولا التاريخ الوطني لشخصياتٍ أصبحت خلف القضبان. فالشيخ راشد الغنّوشي، أحد أبرز الوجوه السياسية في تونس الحديثة، يقضي سنواته المتقدّمة في السجن، ويواجه إلى جانب أحمد نجيب الشابي (رئيس جبهة الخلاص الوطني وأحد رموز المعارضة الوطنية الديمقراطية) أوضاعاً صعبةً ومُهينةً، علاوةً على عشرات الشخصيات العامّة التي وجدت نفسها متّهمة في قضايا ترتبط بصورة أو بأخرى بخطاب “التآمر على أمن الدولة”. وهكذا، تحوّلت التهمة السياسية إلى أداة لإعادة رسم المشهد العام، وإقصاء الأصوات المخالفة. وتحوّلت تونس من بلد كان يَعِدُ بتجربة ديمقراطية رائدة، إلى سجن مفتوح في وجه من يتجرّأ على انتقاد اختيارات وقرارات قيس سعيّد.
وفي موازاة هذا الانغلاق السياسي، تتفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بوتيرة مقلقة، فالبلاد تواجه تباطؤاً اقتصادياً، وارتفاعاً في نسب البطالة والتضخّم، وصعوبات في توفير بعض الأدوية والمواد الأساسية، إلى جانب اضطرابات في خدمات الماء والكهرباء في عدد من المناطق. وهي أزمات لا يمكن تفسيرها كلّها بالعوامل الخارجية، كما لا يمكن معالجتها بالخطاب الأمني أو بإلقاء المسؤولية على “المتآمرين”. فالدول تُدار بالسياسات العمومية الناجعة التي تستند إلى رؤية استباقية وتخطيط استراتيجي، لا بتوسيع دائرة الخصوم، وصناعة التهم وفبركة الملفّات.
ولذلك، لم يكن مستغرباً أن تشهد تونس في الأسابيع الماضية احتجاجات شاركت فيها قوى سياسية ومدنية متعدّدة المرجعيات، رفعت شعارات غير مسبوقة منذ “ثورة الياسمين”، تطالب برحيل قيس سعيّد وإنهاء الحكم الفردي واستعادة مكتسبات ثورة 2011. كما تطالب بإعادة الاعتبار للدستور وللحرّيات العامّة. والأهمّ في هذه الاحتجاجات أنّها لم تعد تعبّر عن رفض سياسي فقط، بل عن شعور اجتماعي متزايد بالإحباط، نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية، وفقدان الأمل في أفق إصلاحي حقيقي.
وفي هذا السياق، يمكن فهم استدعاء السفيرة الفرنسية بسبب استضافة المنصف المرزوقي والحملات الإعلامية التي تصنّف المعارضين ضمن مشاريع خارجية، بوصفهما جزءاً من استراتيجية سياسية تقوم على نقل مركز النقاش من سؤال الديمقراطية والكرامة والحرّيات والعدالة الاجتماعية إلى سؤال السيادة والمؤامرة. إنّها محاولة لتحويل الصراع من مساءلة السلطة عن أدائها إلى تعبئة الرأي العام ضدّ “عدوّ خارجي” أو “خصم داخلي”، وهي آلية عرفتها تجارب سلطوية عديدة، معها يصبح الأمن القومي شعاراً للتعبئة والتجييش بقصد تبرير تقييد الحقوق وقمع الحرّيات، علماً بأنّه من حقّ الدولة حماية أمنها وسيادتها، ولا يمكن التقليل من مخاطر التدخّلات الخارجية التي قد تستهدف أيّ بلد. غير أنّ الدفاع عن السيادة لا يمكن أن يتحوّل إلى ذريعة لخنق المجال السياسي أو لتجريم المعارضة السلمية. فالدولة القوية ليست تلك التي تُسكت الأصوات الناقدة، وإنّما تلك التي تستمدّ قوّتها من شرعية مؤسّساتها واستقلال قضائها وحيوية فضائها العام وثقة مواطنيها بها.
في السياق نفسه، جاءت التغطية التي خصّصتها وسائل إعلام جزائرية لتضيف بعداً إقليمياً للأزمة، بعدما وصفت المرزوقي بأنّه “حصان طروادة لثالوث الشرّ”، وربطت تحرّكاته بما اعتبرته تقاطعاً لمصالح المغرب والإمارات وفرنسا. فلم تتردّد في وصفه بعميل متحمّس للمخزن، في إشارة إلى النظام المغربي. لكنّ هذه القراءة اتّهام سياسي، إذ لم تُقدَّم بشأنها أدلة دامغة وصريحة تثبت وجود تنسيق مباشر بين الرئيس التونسي الأسبق وهذه الأطراف. كما أنّ مراقبين، ومنهم مسؤولون سابقون في الرئاسة التونسية، شكّكوا في معطيات وردت في تقارير تلك المنابر وعناوينها، مثل ادّعاء أنّ المرزوقي يحمل الجنسيتَين الفرنسية والمغربية.
ومن جهة أخرى، أعادت تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون بشأن استعداد بلاده للدفاع عن تونس ضدّ أيّ تهديد إرهابي، فتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين البلدَين. فالجزائر تؤكّد أنّ استقرار تونس جزء من أمنها القومي، وأنّ دعمها يندرج في إطار حماية دولة شقيقة تواجه تحدّيات أمنية وإقليمية. غير أنّ شخصيات تونسية رأت هذه التصريحات تدخّلاً غير مبرّر في الشأن الداخلي، خصوصاً أنّها جاءت في لحظة تشهد فيها البلاد تصاعداً للاحتجاجات والانتقادات الموجّهة للسلطة. والواقع أنّ المواقف المعبَّر عنها سياسياً وإعلامياً في الجزائر لا يمكن فصلها عن التجاذبات الجيوسياسية الإقليمية. فالجزائر أصبحت منذ 2021 الداعم الإقليمي الأبرز للرئيس قيس سعيّد، بالمواقف السياسية والدعم الاقتصادي والطاقوي والتنسيق الأمني. وفي المقابل، تعيش العلاقات الجزائرية مع المغرب وفرنسا توتّرات متعدّدة، الأمر الذي يجعل إدراج اسمَي البلدَين في أيّ قراءة للأزمة التونسية جزءاً من سردية إقليمية أوسع، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع المنافسات الجيوسياسية.
لكنّ اختزال الأزمة التونسية في بعدها الخارجي يحمل قدراً كبيراً من التبسيط، فالمشكلة الأساسية ليست في تصريحات مُعارِض يقيم في الخارج، ولا في منبر إعلامي فرنسي أو صحف جزائرية، وإنّما في الأزمة الداخلية التي تعيشها تونس منذ سنوات على المستويات كافّة، إذ تعمّقت حالة الاحتقان الاجتماعي، وضعفت الثقة في قدرة السلطة على تقديم حلول ملموسة.
وتبعاً لذلك أصبح خطاب “المؤامرة” و”التدخّل الخارجي” جزءاً من المعجم السياسي اليومي، فالسلطة تعتبر أنّ خصومها يستثمرون الأزمات الاجتماعية لإضعاف الدولة، بينما ترى المعارضة أنّ هذه السردية تُستخدَم لتبرير التضييق على الحرّيات العامّة وإسكات الأصوات الناقدة. وبين الروايتَين، يجد الرأي العام نفسه أمام معركة لتفسير الواقع، أكثر منه أمام نقاش حول سبل الخروج من الأزمة.
ولعلّ أخطر ما تكشفه هذه التطوّرات تراجع الحدود الفاصلة بين الدولة والسلطة. وعندما يُنظر إلى كلّ معارضة باعتبارها استهدافاً للدولة نفسها، فإنّ المجال العام يتحوّل تدريجياً إلى فضاء تحكمه اعتبارات الأمن أكثر ممّا تحكمه قواعد السياسة. كما أنّ إضفاء الطابع الأمني على الصراع السياسي يحمل مخاطر بعيدة المدى. فالتوسّع في استخدام مفاهيم مثل “التآمر” و”المساس بأمن الدولة” ضدّ الخصوم السياسيين قد يوفّر للسلطة أدوات فعّالة لضبط المجال العام على المدى القصير، لكنّه يضعف في المقابل الثقة في المؤسّسات ويزيد من الاستقطاب، لأنّ السياسة لا يمكن أن تُدار بمنطق الطوارئ بصورة دائمة.
إنّ مستقبل تونس لن يُحسم بخطابات التخوين والتآمر والتخابر والمحاكمات الصورية، بل بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وفتح حوار وطني شامل يعيد السياسة إلى فضائها الطبيعي، ويصون المكاسب الديمقراطية التي دفع التونسيون ثمنها غالياً منذ “ثورة الياسمين”. فالدول تُبنى بالتوافق، لا بالإقصاء، وبالحرّية لا بالخوف، وبالمؤسّسات لا بالحكم الفردي.
المصدر: العربي الجديد