عن الإنسان وهواجسه الرقمية في "أشواك حديقة تورينغ"

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في باكورتها الروائية "أشواك حديقة تورينغ" (دار هاشيت أنطوان/نوفل 2026) تسطّر رنا حايك قلقها إزاء التطور التكنولوجي المتسارع الوتيرة. من خلال امرأتين وبرنامج "ذكي"، تغامر وتختبر إن كان هذا الذكي سيسبقنا في مرحلة ما، لتغطّي سلبياته على إيجابياته فيغدو وحش فرانكنشتاين الرقميّ المنتقم.

في هذا الحوار نتتبّع خيوط الرواية لنضعها تحت المجهر وننتقل منها إلى الفضاء الأوسع من حدود الذكاء الاصطناعي.

* بدايةً مع السؤال البديهيّ، كيف كانت تجربة التحوّل من كرسي التحرير إلى طاولة الكتابة؟
- لطالما اعتبرت، انطلاقًا من تجربتي الشخصية، أنّ بعض المحرّرين الأدبيين هم كتّاب لم يتحققوا. واعتبرتُني، في محاولة لتفسير النزعة الأدبية المكبوتة التي تسكنني منذ طفولتي، من هؤلاء الذين اتجهوا نحو التحرير، وحتى الترجمة، هروبًا من استحقاق الكتابة أو عجزًا أمامه. انطلاقًا من هذا الاعتراف، ستبدو إجابتي أكثر منطقية: الانتقال من التحرير إلى الكتابة بالنسبة لي كان من أصعب ما فعلت ومن أسهله في آن. فالمحررة المتشددة في داخلي ما كانت لتتساهل معي بل بالعكس، كانت أكثر تطرفًا ممّا هي مع نصوص الآخرين. أما الكاتبة، فقد وجدت أمامها براحًا وانطلاقة لا تمتلكها عندما تعمل على نصوص الآخرين. كنت أكتب في هذه المساحة من التوتر ووفق دينامية من التجاذب والتناحر، التحرر والتشدد، القبول والرفض، وكأنني في حربٍ مع نفسي وسلامٍ معها في الوقت نفسه.

* يرد في "أشواك حديقة تورينغ" أنّ المرآة تعكس القبح أيضًا؛ هل ترين أنّ متطلبات وتكنولوجيا العصر تظهر قبحنا أم تخلق القبح فينا؟
- هذا سؤال فلسفي من الصعب اختزال الإجابة عليه، ويرتبط بالنسبة لي بقضية ماهية الإنسان وطبيعته: هل هو مفطور على الخير أم على الشر؟ بصراحة، من الصعب جدًا تحديد ذلك، لكن ما يمكن، وبسهولة، تأكيده، هو أنّ المناخ المحيط يحفّز ويساعد على تظهير النزعات. ثمة بعض الإيجابيات القليلة في عصرنا هذا، وفي الطفرة التكنولوجية التي نشهدها، لكن السلبيات للأسف تفوقها بأضعاف، وتتشعّب حتى يصعب حصرها. أحد مظاهر هذه السلبيات الأخطر هي تغذية وتظهير القبح الكامن فينا كبشر بعد أن أدّت أدوات العصر، وحكم الشركات متعددة الجنسيات، إلى قلب المعايير التي تشكّل جوهر الكائن البشري وعبثت بها، فغيّرت المفاهيم وشوّهت المعاني وفرضت منظومة ممسوخة عمّا يمكن أن يكون عليه الإنسان كإنسان. 

* تضاربت الآراء حول الرواية بين من اعتبرها تعبّر عن فشل أو عن تفوّق الذكاء الاصطناعي، وهذا يُحسب للنص كونه جمع تناقضات غير معلّبة سمحت للقارئ باستخلاص ما يريد. لكن ماذا أرادت رنا حايك القول عن هذا الصراع؟
- حاولت في الرواية أن أعبّر عن هواجسي وقلقي من الخطر المتربص بنا كبشر، النار التي نلعب بها، من غير أن أبدو ذات نزعة محافظة تدين التطور بالمطلق. أنا أعيش يوميًا متأملةً المسار الذي تأخذه البشرية، والتحول الذي يطال الإنسان في المجتمعات المعاصرة، إن كان من حيث المعايير أو القيم أو شكل العيش نفسه والتعاطي مع الذات والآخر. لا أعرف إن كان التطور التكنولوجي متسارع الوتيرة هذا سيسبقنا في مرحلة ما، هل سيكون فرانكنشتاين العصر؟ لا أمتلك المعرفة الكافية للجزم لكن أمتلك كل الأسباب للخوف والتوجس مما أراه. ومثلي كثيرون. نحن نشهد الآن تحقق عوالم الروايات وأفلام السينما الأبوكاليبتية التي قرأناها وشاهدناها في حياتنا واعتبرناها "خيالا علميا". أنا ألمس يوميًا هذا الصراع الذي يكاد يصبح وجوديًا مع الآلة، ولا أعرف إلام سيؤول، لكن عبرت عن قلقي، لعلّ أحدهم بعد عدة سنوات سيعتبر هذا النص شهادة من إنسان القرن الواحد والعشرين عن التخبط الذي يعيشه في خضمّ لحظات التحول الكبرى.

* في نهاية المطاف مَن سيغلب برأيك؟ العقل البشري أم الاصطناعي؟ 
- بصراحة لا أعرف.. لكنّي متشائمة. وحتى لو لم تعش الآلة ذات يوم،  يكفينا ما قتلته وتقتله يوميًا فينا كبشر.

* ماذا يكشف تعاطي بطلتَي الرواية، يارا وعلياء، مع الذكاء الاصطناعي؟ هل بتنا نشبه الآلة بدل اختراع آلة تشبهنا، أم العكس؟ 
- تعاطي يارا وعلياء مع الآلة يضع إصبعه على "العيب" الأساسي في تكوين البشر: الهشاشة الإنسانية. وأقول "عيب" بين مزدوجين لأن هذه الهشاشة هي تحديدًا ما يجعل البشر بشرًا. فهي أساس الشرط الإنساني. هي جمال القلق البشري، وسحر لغز الموت غير المفكوك، وأساس الفنون والإبداع، ومربط المشاعر الإنسانية والأمزجة وتقلباتها. الآلة اليوم تكاد تقوم بما نقوم به وأكثر. هشاشتنا، روحنا، شرطنا الإنساني هي ما يميّزنا عنها. حين خلقنا الآلة وزوّدناها بكل ما يشكّل نقاط قوتنا من ذكاء وقدرة على العمل والإنجاز وحتى التحليل أصبح من السهل تفوقها علينا. على الأقل، هذا ما شعرت به علياء ويارا حين لجأتا للذكاء الاصطناعي لمساعدتهما، ولتهدئة قلقهما الوجودي. الآلة تشبهنا، بل تتفوق علينا على عدة مستويات، لكنها قاصرة عن امتلاك أغلى ما نمتلكه ويشكّل جوهر إنسانيتنا. هذا ما يخلق كل هذه البلبلة الحاصلة في مقارنة الإنسان مع الآلة وفي لجوء الإنسان للذكاء الاصطناعي واعتباره مرجعًا متفوقًا. ثمة اختلال في موازين القوى وتعادلٍ ما إذا صحّ القول في النواقص والشوائب لدى الطرفين، ما يجعل الدينامية أكثر التباسًا ونتائجها أقل وضوحًا على المدى الطويل.  

* هل عقدة الضحية عند يارا متعلّقة بكونها امرأة أولًا، وعربيّة ثانيًا؟ أم هي عقدة مشتركة عالمية لا خصوصية فيها؟
- عقدة الضحية لدى يارا هي ملمح بشري عالمي قد أخاطر وأقول أنه موجود أكثر لدى النساء عمومًا، وعليه، سيكون أكثر حدّة في العالم العربي حيث كما لا يخفى على أحد، تساهم المنظومة الاجتماعية في تغذيته أكثر بعد. وإذا أردنا تضييق النطاق أكثر بعد وتناول الموضوع من زاوية تربوية، بما أنّ عصرنا يشهد طفرة – مبالغ بها أحيانًا- على مستوى الوعي النفسي حيث يتردد الحديث عن تروما الطفولة ومحاولة الجميع "التعافي" و"الشفاء"، فهي تلك الفتاة التي تفكر كثيرًا والتي اعتادت إرضاء الجميع نتيجة شعورها بأنها غير مقبولة عندما كانت طفلة. 

* أكاد أجزم أنّ آلان تورينغ لم يكن ليحلم بما وصلت إليه التكنولوجيا، ألا يعتبر إذًا العنوان تحاملًا عليه وشقاوة؟
- ربّما أنه لم يفكر بما ستؤول إليه الأمور، كما أن آينشتاين لم يفكر باستخدام القنبلة النووية لقتل الأبرياء، لكنه وضع البذرة واعتبرتُ ذكره نوع من المرجعية وليس اتهامًا أو تحاملًا. وأعتقد أنه لو كان عاش وشهد ما يحصل، لربما كان عبّر عن ندمه كما تنكّر آينشتاين للرسالة التي صاغها مع الفيزيائي ليو سيلارد ونبّها فيها روزفلت إلى احتمال أن تطوّر ألمانيا النازية قنبلة نووية، ما أطلق سعار التسلح النووي حينذاك. من يعرف؟ قد يأتي يوم نقرأ فيه عن ندم إيلون ماسك في تطوير الـ Open AI أو روبوتات Tesla Bot.

* لا يمكن قراءة الرواية خارج سياقها السياسي؛ بغياب الإعلام المموّل وصفحات التواصل الاجتماعي، كيف كنّا سنتلقى الإبادة في وعينا الفردي والجمعي؟
- طبعًا ليس بوسعنا ألا نعترف ببعض إيجابيات التطور. فالإعلام اليوم ينقل مجازر كانت تقترف بالسر، والتوعية التي تتم عبر القدرة المتاحة اليوم لتصويب القضايا ونشر الحقائق ساهمت طبعًا في تحريك الرأي العام العالمي في ما يتعلق بقضية فلسطين والإبادة التي اقترفت في غزة وتقترف اليوم في جنوب لبنان، لكن علينا أن نتساءل أيضًا، إلى أيّ مدًى تعتبَر هذه الإيجابيات خالصة من الشوائب؟ ألم تصبنا الصور التي نراها بمزيد من الإحساس بالقهر والعجز؟ ألم تصبنا بما هو أسوأ بكثير بعد، أي بالخدر؟ ألم تتح صفحات السوشيال ميديا المجال لإعلان بذاءاتٍ يندى لها الجبين على العلن؟ أليست بعض الأخبار التي نتابعها مفبركة؟ التطور سيف ذو حدّين، علينا أن نعترف بإيجابياته، وألا نغفل عن سلبياته كذلك. في النهاية، كان ثمة وقتٍ عرف فيه ثائرٌ فنزويلي يعيش في فرنسا، ومجموعة ألمانية بعيدة في أوروبا ما حدث في يوم الأرض، و في تل الزعتر، عام 1976 من دون أن يكون هناك إنترنت ولا بث مباشر..  من يريد أن يعرف سيبحث وسيعرف، ومن يقرّر أن يرى سوف يرى. المأساة اليوم هي أن تكون الإبادة في بث مباشر على الهواء وقليلون مَن يروا...

* ترسمين ديستوبيا حيث الراوية غير عليمة، بل يسيّرها الأخ الأكبر وكلمة الفصل له. هل بات ملحًّا تطوير مفاهيم أورويل وهاكسلي عن السياسة العولميّة لتشمل الصراع مع الآلة "الذكية"، أم يبقى ذلك في خانة الفانتازيا والخيال العلمي؟
- لنزل اللبس أولًا. تسمية الراوية بـ "غير عليمة" كان لعبة أدبية رمزية هدفها التضاد مع مصطلح "الراوي العليم" كنوع من التأكيد على أننا لم نعد نعلم شيئًا في الفوضى التي تعمّ هذا العصر.  وهي بالتأكيد غير مسيّرة من قبل الأخ الأكبر. هي تحاول "أن ترى"، بينما تعيش في ظله وتحت سيطرة حكمه، ولذلك هي غير متأكدة إن كانت عليمة، لكننا نحن نعرف أنها تعلم لمجرد أن لديها عقل نقدي وأنها على الأقل تحاول أن "ترى". 

أما بالنسبة لأورويل وهاكسلي، فبرأيي هذا هو الوقت الأكثر إلحاحًا لاستحضارهما. كتب أورويل روايته الشهير 1984 في العام 1949، وتناول فيها استبداد الأنظمة الشمولية العسكرية، في سياق ما شهده العالم في تلك الفترة من نازية وستالينية، وما ظلّ يشهده بعدها لسنوات، ولا يزال حتى اليوم في بعض البلاد، ولو كانت أقل. 

هاكسلي كتب رواية "عالم جديد شجاع" قبله، في العام 1932، لكنه تنبّأ بنوع الشمولية الذي سيأتي لاحقًا بعد تلك العسكرية، وهو برأيي، بالظبط ما يحدث اليوم، حيث الإنسان مُصادَر الحرية ومُستلب لكنه لا يعي، تتم السيطرة عليه عبر الراحة والمتعة لا السجن والقمع والملاحقة. أليس هذا بالتحديد ما يحدث اليوم إذ تضع الشركات الكبرى السياسات التي تتبعها الشركات الأصغر والمؤسسات بل وحتى البلدان؟ وعلى جميع المستويات، السياسية والمطلبية والاقتصادية الاستهلاكية إلخ..

* هل كان بإمكان يارا وعلياء النجاة من حبال نظام الذكاء الاصطناعي؟ 
- ربما. لكن لنتذكر أنّ أبسط البسطاء في أرياف الكوكب أصبح يسأل الذكاء الاصطناعي، ويستسهل سؤاله، عن أيّ موضوعٍ كان. أصبحت حواراتنا مع هذا العقل عادية ومعمّمة. تم تطبيعها لدرجة أنّ بعض الغربيين يتحايلون على وحدتهم باتخاذه صديقًا أو حتى عشيقًا. لا أعرف، والحال هذه، إن كانت يارا وعليا، المنتميتان للطبقة الوسطى حيث الفضول والطموح والتنافس تكاد تكون من أقوى المحركات، ستنجوان منه...

* في النص غمز تجاه الرأسمالية والبيروقراطية المتمثلة بعلياء، واليسارية والغيرية المتمثلة بيارا. لأيّ درجة تجدين الصور التي يرسمها المجتمع للعلياءات واليارات نمطية ولا تحتمل أية أبعاد أو أوجه شبه بين الاثنتين؟
- مجتماعتنا تتغذى على النمطية للأسف، ونحن نساهم في ترسيخها من حيث لا ندري. الخوف من الاختلاف يدفعنا للتشبه بقطيع والاحتماء به والتظلل بخيمته. لكنّ هذا الذي كان يصحّ في جيلي يتغيّر اليوم. فرغم النظرة الأولى التي تشي بنمطية رهيبة إلا أنني ألمس بعض التفرد في الجيل الجديد، وهو تفرّد ليس ناتجًا بالضرورة عن تفوقهم وعيًا أو ذكاءً عن الجيل السابق بل لانتمائهم لمعايير وقيم هذا العصر كالاستقلالية والحرية بل وحتى الأنانية بعض الشيء، ولأنهم لم يعودوا تحت تأثير الأنماط التي تربينا نحن عليها يوم كان العالم معسكريَن اثنين فحسب. نحن اليوم نشهد انتهاء عالمٍ كامل بمعانيه ومفرداته، وبدء عالم جديد نتعرّف عليه ولا نعرفه، لا وجود فيه لما اختبرناه وعرفناه من أنماط، وقد يحتمل انصهار يارا وعلياء...    

* لديّ فضول حول العنوان الموفّق جدًا على فكرة. هل كان ببالك أثناء الكتابة، أم بعد الانتهاء منها؟ وهل من عناوين أخرى كانت مرشّحة بقوّة؟
- أنهيت الكتابة ولم أختر العنوان إلا بعدها بأشهر، قبل النشر بأسابيع... لم أفكر كثيرًا، كنت قرأت عن تورينغ في معرض قراءاتي عن الذكاء الاصطناعي، فلمعت الفكرة في رأسي مباشرة. قلت "حديقة تورينغ"، ثم فورًا "لا، إنها أشواك حديقة تورينغ".

* لو أعدتِ كتابة النوفيلا اليوم في ضوء استمرار الحرب، بل وتوسّعها بهذا الشكل "العولمي"؛ هل كنتِ ستغيّرين شيئًا؟
- لا أعتقد، لأن موضوعها مختلف ولا يحتمل..  وفي جميع الأحوال، ما كنت لأكتب خلال الحرب :) اليوم أشعر بأنني عاجزة عن الكتابة. عمومًا أدب الحرب هو ما يظهر بعد انتهائها بسنوات، فمن الصعب جدًا استيعاب الألم والقتل والدمار وهضمه في وقته. 

* هل ستعيدين اقتراف اثم الكتابة وتستسلمين للوثتها؟ هل من جديد؟
- بصراحة لا أعرف. ربما. هذه الرواية كانت دَينًا أدين به لنفسي، أسعدني جدًا أنني سددته. أتمنى أن أكتب مجددًا لكني لن أجبر نفسي. لحظة الكتابة منفلتة لا نستطيع السيطرة عليها، كل ما علينا فعله هو أن نلتقطها حين تحدث. وهذا بالتأكيد ما سأفعله إذا ما  حدثت.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية