على ماذا تتنافس الأحزاب السياسية المغربية؟
سؤال قد يبدو للوهلة الأولى بسيطاً في ظاهره وصياغته، لكنه من وجهة نظري المتواضعة أعمق مما نتصور في دلالته، وجوهري في أبعاده، ومصيري في مآلاته. ولا أضعه بين يدي القارئ بدافع الاستهزاء بالعمل السياسي، ولا أثيره كمادة للسخرية والتندر، بل هو سؤال من يريد أن يفهم، ومن حقه أن يفهم، ومن حق المواطن المغربي كذلك أن يفهم، ومن واجب كل مهتم بالشأن العام أن يجيب عنه بصدق وشجاعة، بعيداً عن المجاملة والمراوغة والتهرب السياسي، على غرار التهرب الضريبي.
فمنذ أول انتخابات جماعية عرفها المغرب سنة 1960، ثم أول انتخابات تشريعية سنة 1963 عقب دستور 1962، دخلت البلاد في مسار انتخابي متواصل امتد لأكثر من ستة عقود، وعرفت خلاله ما يزيد على إحدى عشرة محطة تشريعية، إلى جانب أكثر من اثنتي عشرة انتخابات جماعية، فضلاً عن الانتخابات المهنية التي تتكرر بشكل دوري.
إنه مسار طويل استُهلك فيه زمن سياسي معتبر، وسُخّرت له إمكانيات مالية وبشرية ضخمة، مئات الملايين من الدراهم ومئات الآلاف من المرشحين، وكان يُفترض أن يُفضي كل هذا الجهد والإنفاق إلى تراكم ديمقراطي نوعي، ينعكس على بنية الدولة، وعلى مستوى عيش المواطن ووعيه السياسي، وعلى طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح بعد كل هذه العقود ليس في عدد الانتخابات التي أُجريت، بل ماذا غيّرت هذه الانتخابات فعلاً؟ هل نقلت السلطة إلى يد الشعب، وجعلت الحكم قابلاً للتداول الديمقراطي؟ هل حسّنت شروط العيش للمواطن؟ هل وسّعت هامش الحرية؟ أم إنها ظلت تدور في حلقة مفرغة، تُعيد إنتاج البنية نفسها، مع تغيير الوجوه فقط؟
وهل تتنافس هذه الأحزاب على البرامج؟ أم على السلطة؟ أم على خدمة المجتمع؟ أم إن الأمر أعمق من ذلك وأخطر؟
هذه الأسئلة، وسؤال هذا المقال، في حقيقتها لا تهم الأحزاب فقط، بل تهم بشكل أكبر طبيعة النظام السياسي نفسه، وحدود العمل السياسي الممكن داخله، ووظيفة الانتخابات، وموقع المواطن في كل هذه المعادلة.
وقبل الإجابة، لا بد من استحضار السياق الذي يُطرح فيه هذا السؤال الأساس، لأن السياق في العلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي ليس هامشاً يُستأنس به، بل هو المدخل الحقيقي لفهم الظاهرة وتفسيرها.
أولاً: ما هو تعريف الحزب السياسي؟ وما هي وظيفته الطبيعية؟
أجدني مضطراً لوضع المفاهيم والأسس الأولية، التي تعتبر في عرف العمل السياسي من المسلمات، لأن أمام هشاشة الذاكرة السياسية الحزبية، وانشغال المواطن المغربي برغيف اليوم، وثقل الحياة، تبدو هذه المسلمات والبديهيات السياسية تعاني من غياب المعنى وانحراف المسار.
ففي التعريف الكلاسيكي المتعارف عليه في العلوم السياسية، الحزب السياسي هو تنظيم مدني يسعى إلى الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها، من أجل تطبيق برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي يعبر عن مصالح فئة من المواطنين أو رؤية أيديولوجية بعينها. وهذا يعني أن الحزب في جوهره آلية للتنافس على السلطة من أجل التغيير، وليس مجرد هيكل تنظيمي يوجد من أجل المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية ثم يغيب إلى حين موعدها القادم، أو ينحصر وجوده في تأثيث المشهد السياسي وتزيين واجهته، أو يصبح مجرد رجع صدى للدولة.
فالحزب الحقيقي هو الذي يطرح رؤية واضحة للمجتمع الذي يريد بناءه، ويقترح آليات عملية وجادة لتحقيق ذلك، ويمتلك الجرأة السياسية والفكرية على مواجهة ما يعترض مشروعه من عقبات بنيوية وسلطوية، وهو الذي لا تنتهي صلاحية برنامجه يوم الاقتراع، ولا يتخلى عنه في أول مجلس وزاري يجلس فيه الوزراء في حضرة الملك، ولا ذلك الذي يتماهى مع السلطة إرضاء لها، أو يتجاهل ويغض الطرف عن تجاوزاتها اتقاء غضبها.
وفي التصور الكلاسيكي للديمقراطية أيضاً، وكما بلوره مفكرون كثيرون في الشرق والغرب، تقوم الأحزاب السياسية بوظيفة مركزية، أهمها تمثيل المجتمع، وصياغة مطالبه، وتحويلها إلى سياسات عمومية عبر التنافس على السلطة.
ويقوم التنافس هنا على ثلاث ركائز:
برامج متمايزة تعكس رؤى مختلفة لإدارة الدولة.
قيادات سياسية تحمل مشاريع واضحة.
شرعية انتخابية تمنح الحزب حق تنفيذ برنامجه.
فالانتخابات في هذا النموذج ليست مجرد طقس دوري، بل لحظة حاسمة يتم فيها تداول السلطة على أساس الاختيار الشعبي.
وهذا ما عبر عنه جوزيف شومبيتر بالقول: “الديمقراطية هي نظام مؤسسي لاتخاذ القرارات السياسية، حيث يكتسب الأفراد سلطة اتخاذ القرار من خلال صراع تنافسي على أصوات الناس”.
ولكن ماذا يحدث عندما يكون التنافس شكلياً، والقرار الحقيقي يُصنع خارج هذا التنافس؟ وكيف ينطبق هذا التعريف وهذا الواقع على الأحزاب السياسية المغربية؟
ثانياً: واقع وحقيقة الأحزاب المغربية (الشكل والجوهر)
المتتبع للمشهد الحزبي المغربي لا يحتاج إلى عمق تحليلي كبير ليكتشف أن معظم الأحزاب السياسية المغربية، بمختلف مشاربها وتوجهاتها، تعيش انفصاماً حاداً بين الخطاب والممارسة، بين ما تعلنه في برامجها وما تفعله حين تصل إلى دواليب التدبير.
وهذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج عقود طويلة من التدجين السياسي والإخضاع التدريجي لمنطق الدولة العميقة التي أحكمت قبضتها على آليات العمل الحزبي، وشكّلت قواعد اللعبة السياسية وفق أجندتها وأولوياتها، وجعلت من الأحزاب أدوات شرعنة لا أدوات تغيير، وواجهات ديمقراطية لا محركات إصلاحية.
إنها الحالة المغربية، أو الخصوصية المغربية بالتعبير المحلي، حيث لا يمكن فهم سلوك الأحزاب دون فهم بنية السلطة. وفي هذا أشار المفكر المغربي عبد الله العروي إلى إشكالية عميقة حين قال: “الدولة في المغرب سابقة على المجتمع، وهي التي تُنتج السياسة وليس العكس”.
هذه الفكرة تضعنا أمام حقيقة أساسية، أن الأحزاب لا تتحرك في فضاء حر ومفتوح، بل داخل مجال مقيد مضبوط، حيث الحدود مرسومة والسقف محدد سلفاً. وهنا يتحول التنافس من التنافس على السلطة إلى التنافس على موقع بسيط داخل السلطة للقيام بمهام الامتثال في حدود ذلك المجال. وهنا تحديداً يمكن أن نعيد طرح السؤال الجوهري بشكل أكثر دقة وحدة: على ماذا تتنافس الأحزاب السياسية المغربية فعلاً؟
ثالثاً: التنافس الحزبي من منظور علم الاجتماع السياسي
عندما نقوم بدراسة الأحزاب في علم الاجتماع السياسي، لا يكفي التوقف عند خطابها المُعلن فقط، بل لا بد من النظر إلى سلوكها الفعلي وأنماط تصرفها داخل المنظومة السياسية، ورصد خطاباتها وتحليل مواقفها. ومن خلال ذلك يمكن رصد ثلاثة مستويات للتنافس الحزبي المغربي، من دون الإفصاح عن أي منها من طرف الأحزاب أو الاعتراف بذلك.
المستوى الأول: التنافس على المناصب والريع
الواقع يشير إلى أن البرنامج الانتخابي غالباً ما يتحول إلى أداة للتسويق السياسي، ووسيلة لاستقطاب الأصوات، ووثيقة تنتهي صلاحيتها عند أول احتكاك بمراكز القرار، عندما تفرض الدولة برنامجها على الفاعل السياسي.
لذلك يقول بيير بورديو: “السياسة مجال رمزي بقدر ما هي مجال واقعي، حيث تُنتج الخطابات لتُخفي علاقات القوة الحقيقية”. أي إن مهمة الخطاب السياسي الحزبي تتجلى في التستر على سلطوية الدولة وتحكمها في تفاصيل ومفاصل ودقائق الحياة السياسية، بسبب ضعف الأحزاب أو رغبة منها في إرضاء الدولة مقابل الحصول على مكاسب شخصية أو حزبية. وهذا ينطبق بدقة على الحالة التي تتحول فيها البرامج إلى مجرد خطاب نظري، بينما الفعل والقرار السياسيان يُحددان في مكان آخر.
وما يلاحظه المتتبع أن التنافس الأشد حدة بين الأحزاب لا علاقة له بالبرامج والرؤى الإصلاحية، بل بالمناصب والحقائب الوزارية وتوزيع مقاعد المجالس الجماعية، والتنافس على الحصول على كم مريح من المهام والمسؤوليات، لا على كيفية إعادة توزيع الثروة على المواطنين وتحقيق مصالحهم والاستجابة لحاجياتهم. ولهذا يُفضي كل ائتلاف حكومي أو داخل المجالس الجماعية إلى تحالفات غير منسجمة، لا تجمعها رؤية مشتركة، بل تجمعها فقط مقايضات ومساومات تتعلق بالحقائب والمواقع والمسؤوليات، التي قد تصل أحياناً إلى عمليات الابتزاز والتآمر.
فهل فعلاً تتنافس الأحزاب على تطبيق برامجها؟
المستوى الثاني: التنافس على إرضاء الدولة أو السلطة
في غياب سلطة انتخابية فعلية تسمح للحكومة بتطبيق برنامجها، ينتقل التنافس الحزبي من التنافس على إقناع الناخب إلى التنافس على كسب ثقة مركز القرار الحقيقي. ولهذا نجد أن الحزب الذي يُعلن صباحاً عن معارضته لقرار ما، يُلين مواقفه مساءً حين يشعر أن مخالفته قد تُكلفه موقعاً أو تُغلق أمامه باباً، أو تسحب منه امتيازاً أو مصلحة. وهذا بالضبط ما يُسميه علم النفس السياسي بسلوك القطيع السياسي، حيث يتخلى الفاعل السياسي عن قراره المستقل لفائدة مركز القوة المتمثل في المخزن، بما يمثله من شبكات نفوذ معقدة داخل جسم الدولة.
في ظل هذا الترتيب، يتخذ التنافس الحزبي شكلاً خاصاً لا علاقة له بالتنافس الديمقراطي، لأن الأحزاب لا تتنافس على من يتخذ القرار، بل على من يحظى بأفضلية الاقتراب من أصحاب القرار.
كما يتم التنافس أيضاً على الحزب أو الزعيم السياسي الأكثر انضباطاً لبرامج ومشاريع وقرارات الدولة، فكلما كان الحزب أكثر قابلية للتكيف مع قواعد اللعبة، زادت فرصه في المشاركة. وهنا تحضرني قولة الصحفي المقتدر خالد الجامعي: “المخزن يُكيّف ولا يُكيَّف”.
والتنافس أخيراً على من يُحسن تدبير التوازنات والتوافقات، فيتحول التنافس إلى إدارة علاقات، لا إنتاج سياسات. وهنا نستحضر ما قاله المفكر المغربي محمد عابد الجابري: “العقل السياسي العربي عقل توافقي أكثر منه عقل صراعي”. لكن هذا التوافق، في كثير من الأحيان، لا يكون تعبيراً عن نضج سياسي، بقدر ما هو تعبير عن غياب الجرأة السياسية والقدرة على خوض الصراع السياسي الحقيقي.
المستوى الثالث: التنافس على إقناع الشعب بالتنازل عن حقوقه وبأقل قدر من التغيير
وهذا هو أخطر ما في الأمر، حين تتحول الأحزاب من أدوات تغيير إلى أدوات تطويع، تتنافس فيما بينها على إقناع الشعب بقبول ما هو دون حقه، والرضى بالاستبداد على أساس أنه ضمانة للاستقرار والأمن، وأن هذه هي بلدكم، مع إيهامه بأنه بذلك يسير نحو إصلاح حقيقي وهادئ. ويظهر ذلك جلياً في تصريحات بعض الزعماء السياسيين مؤخراً، حيث أصبح الحلم السياسي يُختزل في إلغاء الساعة غير القانونية، وتعديل سن الولوج إلى العمل في قطاع التعليم، وبعض المشاكل الاجتماعية الصغيرة.
أما القضايا الكبرى والحقيقية مثل غياب العدالة الاجتماعية، وانتهاك الحريات، والاستبداد السلطوي، والفساد البنيوي، وتركز السلطة وتضخمها على حساب المجالس المنتخبة، وغير ذلك من القضايا الشائكة، فتظل بعيدة عن اهتمامات الأحزاب، ولا تشكل أولوية أو راهنية بالنسبة لها، بل تعتبرها خارج صلاحياتها مطلقاً. وهذا ما يُفسر التشابه المذهل في خطاب معظم الأحزاب المغربية، رغم تباين مرجعياتها المُعلنة، إضافة إلى ضعف وهزال هذا الخطاب.