علم الطبيعة وعلم الشريعة

العقلانية المعاصرة

قدمت العقلانية المعاصرة نظرة جديدة للعلاقة بين الرياضيات والتجربة، وبكيفية أعم، للعلاقة بين الفكر والواقع، أي المعرفة. ووفقا لهذه النظرة، فإن الواقع الموضوعي هو أصل ومنشأ البنيات العقلية، الرياضية أو المنطقية. وانطباق الرياضيات على الواقع التجريبي، ليس شيئا آخر غير عودة هذه البنيات الذهنية الرياضية إلى الالتقاء مجددا مع الواقع الموضوعي الذي كان أصلا لها ومنشأ. ولذلك يرى فرديناند غونزيت (Ferdinand Gonseth)، وهو عالم الرياضيات وإبستمولوجي، أن الصورية المحض لا وجود لها، «إذ في كل بناء تجريدي يوجد راسب حدسي يستحيل محوه وإزالته».

وقد فرضت الثورة العلمية التي انطلقت مع بداية القرن العشرين ضرورة إعادة النظر في مفهوم «العقل» ذاته. وأدى تطور العلم وتقدمه إلى قيام نظرية جديدة في العقل قوامها النظر إليه بوصفه منظومة قواعد مستخلصة من موضوع ما، أي من الموضوع الذي يتعامل معه الإنسان. أما المنطق فإنه سيصبح هو الآخر، كما قال غونزيت، عبارة عن «فيزياء موضوع ما»(نشر غونزيت مقالا سنة 1936 بعنوان «La logique en tant que physique de l’objet quelconque»)، ومن هنا ضرورة الاعتراف بتعدد أنواع المنطق تبعا لتعدد منظومات القواعد التي تؤسس النشاط العلمي في هذا المجال أو ذاك.

لقد غدا المجهود العلمي يقوم على إنشاء منظومات قواعد جديدة للعمل الذهني، قابلة للتكيف مع الإجراءات التجريبية. وهذه المنظومات من القواعد تعمل بدورها على خلق عقل جديد ستجعل منه العادة والممارسة عقلا «طبيعيا» و«ضروريا». وبما أن التجربة هي وحدها التي بإمكانها أن تفصل في مسألة مطابقة مبادئ العقل مع قوانين الطبيعة، والتي أصبحت تعني التحقق تجريبيا، فإن العقلانية المعاصرة هي عقلانية تجريبية.

ويقول غاستون باشلار، وهو عالم الفيزياء وإبستمولوجي، بضرورة عقلانيات متعددة بتعدد العلوم وليس عقلانية واحدة. وذلك لأن فلسفة عقلانية عامة، كالفلسفة الديكارتية، لن تستطيع في نظر باشلار أن تعكس المستويات المتنوعة العقلانية لمختلف الميادين العلمية. إن المقصود بالعقلانية هنا هو المنهج الذي يتبعه الفكر في العلم لبلوغ حقيقة الظواهر التي يدرسها. فاختلاف الموضوعات يحتم اختلاف صور تطبيق المنهج. وليس هنالك، كما تصور ديكارت، منهج واحد شامل لإدراك الحقيقة في العلوم.

عقلانية علماء الشريعة

استخلص علماء الشريعة المسلمون منظومة القواعد التي تؤسس النشاط العلمي من الموضوع الذي درسوا ظواهره، وهو القرآن الحكيم. فشكل الوحي الإطار المرجعي العام للتصور الكلي للوجود الإنساني المبني على رعاية أمانة الاستخلاف وعمارة الأرض. وهكذا أنشأ علماء الشريعة علم أصول الفقه كعلم منهجي يعصم عقل عالم الشريعة من الخطأ في بناء المعرفة بالشريعة مثلما أن علم المنطق هو ما يعصم عقل عالم الطبيعة من الخطأ في بناء المعرفة بالطبيعة.

وقد وظف علماء الشريعة مختلف العلوم، واجتهدوا في تنظيم علم أصول الفقه وإخصابه وإنضاجه. وبلغ أبو إسحاق الشاطبي في كتابه «الموافقات» ذروة التحقيق العلمي في «تأصيل أصول علم الشريعة» معتمدا منهج الاستقراء في صياغة نظريته في المقاصد. فبَيَّن الشاطبي أن الكليات الشرعية تجاري الكليات العقلية في إفادة العلم القطعي، إذ العلم بالكليات الشرعية مستفاد من الاستقراء العام، الناظم لأشتات أفرادها، حتى تصير في العقل مجموعة في كليات عامة مطردة، غير زائلة ولا متبدلة، وحاكمة غير محكوم عليها، وهذه خواص الكليات العقلية. وأيضاً فإن كانت الكليات الشرعية وضعية لا عقلية، أي أنها مقتبسة من الشريعة وهي أمر وضعي، فإن الكليات العقلية مقتبسة من الوجود، وهو أمر وضعي لا عقلي، فاستوت مع الكليات الشرعية بهذا الاعتبار، وارتفع الفرق بينهما. وهكذا، يبين الشاطبي أن خواص الكليات العقلية متوفرة في الكليات الشرعية، وهذه الخواص هي العموم والاطراد، والثبوت من غير زوال، وكون الكليات حاكمة لا محكوما عليها.

ويوضح أبو المعالي الجويني في كتابه «البرهان في أصول الفقه» أن فهم واستنباط الأحكام عند الصحابة كان يعتمد على المصالح الكلية، لا على المراسم التي ابتكرها الجدليون من نظار العصور اللاحقة، كالأقيسة والعلل المنطقية الدقيقة. يقول الجويني: «فإن أصحاب الرسول عليه السلام ما كانوا يجرون على مراسم الجدليين من نظار الزمان (أي زمنه هو) في تعيين أصل والاعتناء بالاستنباط منه، وتكلف تحرير على الرسم المعروف المألوف في قبيله، وإنما كانوا يرسلون الأحكام ويعلقونها في مجالس الاستشوار بالمصالح الكلية.» 

إن الكليات الشرعية هي المصالح الكلية، وهي ما اصطلح عليها علماء الشريعة بمصطلح أصولي هو «المقاصد». وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: الضروريات والحاجيات والتحسينيات. فالضروريات تشمل مصالح متعلقة بحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والعرض والمال. والحاجيات تشمل مصالح متعلقة برفع الحرج والمشقة وتيسير حياة الناس. والتحسينيات تشمل مصالح متعلقة بمحاسن العادات وما يليق من محاسن الأمور في العبادات والمعاملات.

لقد نظر العلماء إلى الشريعة باعتبارها موضوعا معرفيا وضعيا، وأبدعوا مفهوما معرفيا هو «المقاصد»، ينظم من خلاله العلماء عملية فهم وتوجيه المعرفة والعلم. وكذلك فعل نظراؤهم  علماء الطبيعة، فأبدعوا مفهوما إبستمولوجيا هو «السببية». وهكذا، فكما أن السببية تعتبر مفهوما أساسيا في علم الطبيعة، فكذلك المقاصد تعتبر مفهوما أساسيا في علم الشريعة.

علم الطبيعة وعلم الشريعة

إن قول غونزيت أن في كل بناء تجريدي يوجد راسب حدسي يستحيل محوه وإزالته، وأن المنطق هو عبارة عن فيزياء موضوع ما،  هو نظير قول الشاطبي أن الكليات العقلية مقتبسة من الوجود. ويوضح الشاطبي في كتابه «الموافقات» أنه بصدد «تأصيل أصول علم الشريعة». فانطلاقا من نظرة الشاطبي إلى الكليات الشرعية، أي كليات علم الشريعة، باعتبارها نظيرة الكليات العقلية، أي كليات علم الطبيعة، يمكن أن نعتبر أن الشاطبي نظر إلى علم الشريعة باعتباره نظير علم الطبيعة.

ويمكن أن نستجلي تناظر علم الطبيعة وعلم الشريعة بالنظر إلى أن علماء الطبيعة يدرسون ظواهر الطبيعة، آيات كتاب الله المنظور، فيستخلصون بالاستقراء كليات علم الطبيعة المتمثلة في مبادئ العقل مثل مبدأ السببية. وكذلك يفعل نظراؤهم علماء الشريعة الذين يدرسون ظواهر الشريعة، آيات كتاب الله المسطور، وهو القرآن الحكيم، فيستخلصون بالاستقراء كليات علم الشريعة المتمثلة في المصالح الكلية، وهي ما اصطلح عليها علماء الشريعة بمصطلح المقاصد.

كما يمكن أن نستجلي هذا التناظر بين العلمين بالنظر إلى أن عالم الطبيعة يجتهد فيصوغ فرضية علمية، مستندا إلى منهج علم الطبيعة، ثم يقصد مقاصد علم الطبيعة، المتمثلة في مبادئ العقل، بغية الحصول على الموافقات لهذه الفرضية العلمية، ليتحقق أن هذه الفرضية موافقة لمبادئ العقل وليست منافية لها. وكذلك يفعل نظيره عالم الشريعة الذي يجتهد فيصوغ فرضية علمية متمثلة في تحصيل ظن بحكم شرعي يثبت بمدركه الشرعي، مستندا إلى منهج علم الشريعة، وهو علم أصول الفقه، ثم يقصد مقاصد علم الشريعة، المتمثلة في المصالح الكلية، بغية الحصول على الموافقات لهذا الحكم الشرعي، ليتحقق أن هذا الحكم موافق للمصالح الكلية وليس منافيا لها.

إن لفظ مَقْصِد، وجمعه مقاصد، هو إسم مكان من فعل قَصَدَ، مثال: «مَكَّة مَقْصِدُ الحُجَّاج»، وفي هذا المثال فإن مكة هي مقصد الحجاج، لكن غايتهم الواضحة هي أداء مناسك الحج. ولهذا، يظهر لنا أن المقاصد ليست معاني أو  حِكما أو غايات. إنما هي تعتبر بمثابة «أماكن» يقصدها عالم الشريعة المجتهد، الذي توصل إلى تحصيل ظن بحكم شرعي يثبت بمدركه الشرعي، يقصدها لغاية واضحة وهي الحصول على الموافقات لهذا الحكم الشرعي. وبناء على تحصيل هذه الموافقات يحصل توافق قصد المكلَّف مع قصد الشارع في وضع الشريعة، بما يصلح معه الحال والمآل. ويوضح الشاطبي أن ما يسميه «قصد الشارع» إنما هو «الإرادة التشريعية» تماما، يقول الشاطبي: «فإذا رأيت في هذا التقييد (أي الموافقات) إطلاق لفظ القصد وإضافته إلى الشارع: فإلى معنى الإرادة التشريعية أشير.»

إن المقاصد هي المصالح، والصلاح هو القيمة الخلقية التي تندرج تحتها جميع القيم الخلقية الأخرى، ما يجعل علم المقاصد علما أخلاقيا موضوعه صلاح الإنسان، ويُبرز تداخل علم الشريعة بعلم الأخلاق.

ملحوظة: مضامين الفقرات المتعلقة بالعقلانية المعاصرة مقتبسة من كتاب «مدخل إلى فلسفة العلوم» لمحمد عابد الجابري، ومن كتاب «ما هي الابستمولوجيا» لمحمد وقيدي.

اقرأ المقال كاملاً على لكم