عزيز الهلالي يقترح "الترحال الفلسفي"

في مشروع فلسفي نقدي يسعى إلى إعادة التفكير في مفهوم الكونية، عبر تفكيك ما يسميها “الكونية الزائفة” التي صاغها الفكر الغربي، وادّعت الشمول بينما أخفت طابعها التاريخي والثقافي الخاص، ينطلق “الترحال الفلسفي: من نقد كونية المركز إلى تأسيس كونية تشاركية” من أطروحة أساسية مفادها أن الفلسفة ليست حكرا على جغرافيا معينة، بل هي فعل ترحال دائم، يتجاوز الحدود الثقافية ويُعيد توزيع الحق في إنتاج المعنى بين مختلف شعوب العالم.

الكتاب الذي صدر حديثا عن “مؤسسة آفاق للدراسات والنشر”، للباحث في الفلسفة السياسية عزيز الهلالي، ينتقد المركزية الغربية التي اختزلت تاريخ الفلسفة في مسار أوروبي، وأقصت إسهامات الفلسفات الإفريقية والآسيوية والإسلامية، معتبرا أن هذا الإقصاء ليس عرضيا، بل يرتبط ببنية معرفية عميقة دعمتها خطابات فلسفية منذ عصر الأنوار إلى الفلسفة المعاصرة. ويكشف الهلالي عن ثلاث موجات للعنصرية الفلسفية: “صريحة في الأنوار”، و”ناعمة في الفلسفة الحديثة”، و”متجددة في بعض التيارات النقدية”.

ويقترح الكتاب مفهوم “الترحال الفلسفي” باعتباره بديلا إبستمولوجيا وأخلاقيا، يقوم على الاعتراف بتعدد مصادر الحكمة الإنسانية، ويدعو إلى إعادة كتابة تاريخ الفلسفة من منظور عالمي تعددي. هذا الترحال حسب الباحث في الفلسفة السياسية لا يعني مجرد انتقال الأفكار، بل إعادة تأسيس الفعل الفلسفي ذاته على قاعدة الحوار والتفاعل بين التقاليد المختلفة.

ويركز “الترحال الفلسفي” بشكل خاص على الفلسفة الإفريقية كنموذج حاسم في نقد المركزية، مبرزا كيف تم تهميشها أو اختزالها في حكمة شعبية، رغم غناها النظري وقدرتها على الإسهام في القضايا الكونية، خاصة في مجال الأخلاق والعدالة؛ ومن هنا يدافع عن إمكانية بناء “كونية إفريقية وآسيوية” لا مركزية، تساهم في إعادة تعريف المفاهيم الكبرى مثل العدالة وحقوق الإنسان.

كما يناقش الكتاب دور الأساطير المؤسسة، مثل أسطورة بروميثيوس، في بناء سردية التفوق الغربي، إذ تم توظيفها لإضفاء شرعية رمزية على الهيمنة العلمية والتقنية، ويبيّن أن هذه السرديات ساهمت في تحويل العقل إلى أداة سيطرة بدل أن يكون أفقا للتناغم الكوني.
الهامش يعيد تشكيل الكوني

يدعو مشروع الهلالي إلى تأسيس “كونية تشاركية” تقوم على مبادئ الاعتراف المتبادل، والتكافؤ بين التقاليد الفلسفية، وقابلية المفاهيم للترجمة والتداول بين الثقافات. هذه الكونية ليست نموذجا جاهزا، بل عملية دينامية تنبثق من الحوار بين الخصوصيات، وتتجاوز في الآن نفسه خطر النسبوية والانغلاق.

هي دعوة فلسفية لتحرير الكوني من هيمنة المركز، وبناء أفق إنساني جديد تتقاطع فيه التجارب الفكرية على أساس الندية، بما يتيح للفلسفة أن تستعيد حقها في “الترحال” والتجدد داخل عالم متعدد ومترابط.

وينتهي الكتاب إلى أن “الهامش” حين يتكلم فإنه يعيد تشكيل الكوني، فـ”الترحال الفلسفي” هو مشروع لبناء أفق عالمي جديد يقوم على السلام والعدالة، حيث يصبح الاعتراف بالتنوع شرطا أساسيا للمشترك الإنساني، خاصة بعد أن كشفت وقائع تاريخية هشاشة الوعود الكونية الغربية مثل ما شهدته فلسطين والسودان ولبنان.

The post عزيز الهلالي يقترح "الترحال الفلسفي" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress