عزوف قياسي يضرب انتخابات الجزائر ويوسع التشكيك في شرعية البرلمان

سجلت الانتخابات التشريعية التي جرت، الخميس، في الجزائر نسبة مشاركة نهائية بلغت 20.79 في المائة داخل البلاد، مقابل 10.67 في المائة في صفوف الناخبين المقيمين بالخارج، وفق ما أعلنته السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عقب إغلاق مكاتب الاقتراع، في استحقاق طبعته مؤشرات على ضعف الإقبال على عمليات التصويت.

وتعكس هذه النسب استمرار العزوف الانتخابي مقارنة بحجم الهيئة الناخبة التي تضم قرابة 25 مليون مسجل، كما أنها جاءت دون نسبة المشاركة المسجلة في الانتخابات التشريعية لسنة 2021، التي بلغت نحو 22.99 في المائة، ما يعيد إلى الواجهة النقاش بشأن مستوى الإقبال الشعبي على الاستحقاقات الانتخابية في البلاد.

وفي المقابل رافق الاقتراع تشكيك متواصل من أطراف معارضة وفاعلين سياسيين في نزاهة العملية الانتخابية، معتبرين أن مخرجاتها محسومة سلفاً في ظل استمرار هيمنة المؤسسة العسكرية على مفاصل القرار السياسي، وهو ما ينعكس، بحسبهم، على ثقة الناخبين في المسار الانتخابي.

من جانبه نفى الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، وجود أي تلاعب في الاقتراع، مؤكدا في تصريحات صحافية عقب الإدلاء بصوته أن الجزائر “تجاوزت هذه المرحلة منذ زمن”، ومشيرا إلى عدم تسجيل أي شكاوى من الأحزاب أو المترشحين بشأن عمليات التزوير أو المساس بنزاهة التصويت.

وقبل إعلان نسب المشاركة النهائية قررت السلطات تمديد عملية الاقتراع لمدة ساعة إضافية في عدد من مكاتب التصويت، في خطوة جاءت بالتزامن مع تسجيل نسب مشاركة متدنية خلال مختلف مراحل اليوم الانتخابي، بينما يُنتظر أن تعلن السلطات المختصة النتائج الأولية للاستحقاق بعد استكمال عمليات الفرز وإحصاء الأصوات.

وصاية عسكرية

في هذا الصدد قال الفاعل السياسي بالأقاليم الجنوبية دداي بيبوط إن البنية المؤسساتية للنظام السياسي الجزائري تقوم على تداخل عضوي بين الواجهة المدنية ومركز الثقل الحقيقي المتمثل في المؤسسة العسكرية، ما يجعل الاستحقاقات الانتخابية تتحول من آلية للتداول السلمي على السلطة إلى وسيلة لإعادة إنتاج البنية السلطوية القائمة وتوزيع الريع السياسي على أحزاب الموالاة، مشيرا إلى أن نتائجها تُحسم سلفا داخل دوائر القرار التي تهيمن عليها المؤسسة العسكرية.

وأضاف بيبوط، في تصريح لهسبريس، أن المؤسسات المنتخبة، وعلى رأسها البرلمان، أضحت مجرد هيئات للتسجيل والمصادقة على قرارات تُتخذ مسبقا، فيما تفتقر السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات إلى الحياد الفعلي؛ إذ ينحصر دورها، بحسبه، في الإدارة التقنية للاقتراع، دون امتلاك القدرة على مواجهة ما وصفه بـ”التدبير القبلي” الذي يقصي البدائل السياسية المستقلة تحت غطاء التحريات الأمنية، وهو ما يفرغ مفهوم الاستقلالية من مضمونه القانوني والميداني.

وأكد الباحث في الشؤون السياسية أن الجزائر تعيش، منذ مرحلة ما بعد الحراك الشعبي، حالة من التغييب الديمقراطي الممنهج نتيجة اعتماد مقاربة قمعية استهدفت العمل السياسي المستقل والمجتمع المدني، لافتا إلى أن تعديلات القانون الجنائي، ولا سيما المادة 87 مكرر، وسعت مفهوم الإرهاب ليشمل النشاط المعارض السلمي، الأمر الذي أفضى إلى حل منظمات حقوقية وأحزاب مستقلة واعتقال عدد من قادة الرأي.

واسترسل المحلل السياسي ذاته بأن هذا المناخ حول العزوف الانتخابي لدى نسبة كبيرة من الكتلة الناخبة إلى سلوك سياسي يروم، من وجهة نظره، سحب الشرعية الأخلاقية عن النظام، موضحا أن المواطن الجزائري بات يعتبر المقاطعة الوسيلة المتبقية للتعبير عن رفضه للوصاية الأمنية على إرادته السياسية، في ظل تناقض بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن نزاهة الإجراءات الشكلية وغياب الشرعية الديمقراطية الجوهرية.

كما استحضر المتحدث أن السلطة لم تعد بحاجة إلى التدخل المباشر في صناديق الاقتراع ما دامت قد أحكمت السيطرة على المشهد السياسي من خلال قوانين انتخابية إقصائية وتدجين الأحزاب المشاركة، معتبرا أن غياب الطعون والشكاوى لا يعكس سلامة المسار الانتخابي بقدر ما يعبر عن قبول تلك الأحزاب بحصصها داخل منظومة الريع الانتخابي.

وبخصوص دلالات نسب المشاركة المسجلة كشف بيبوط أن الخطاب الرسمي القائم على الشرعية الثورية والنزعة القومية الشعبوية أصبح منفصلا عن تطلعات الأجيال الشابة التي تشكل أغلبية الهيئة الناخبة، مبرزا أن هذه الفئة لم تعد تستجيب لخطاب التخوين والمؤامرة، بل باتت تطالب بمؤسسات تستمد مشروعيتها من الإنجاز ودولة الحق والقانون.

وواصل الخبير في خبايا النظام الجزائري بأن البرلمان الذي ستفرزه هذه الانتخابات سيولد، بحسب قراءته، بعجز بنيوي في المشروعية، ما سيحد من قدرته على تمثيل التطلعات الشعبية أو احتواء الاحتقان الاجتماعي، محذرا من أن يلجأ النظام، في مواجهة تآكل جبهته الداخلية، إلى تصدير أزماته نحو الخارج عبر تصعيد التوترات الإقليمية وافتعال نزاعات مع دول الجوار لصناعة إجماع داخلي مصطنع.

وخلص دداي بيبوط إلى أن تجاوز المأزق السياسي في الجزائر يقتضي إحداث قطيعة مع الممارسات السلطوية، من خلال إرساء مسار انتقالي يقوم على الفصل الفعلي بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية، ورفع الوصاية الأمنية على العمل السياسي، والإفراج عن معتقلي الرأي، وفتح المجالين الإعلامي والعمومي، وصولا إلى حوار وطني شامل يفضي إلى عقد اجتماعي ودستوري جديد يؤسس لشرعية ديمقراطية تستند إلى انتخابات حرة وتعددية فعلية بعيدا عن منطق المحاصصة أو هندسة النتائج مسبقا.

رفض شعبي

من جانبه يرى عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش”، أن نسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات التشريعية الجزائرية، التي بلغت 20.79 في المائة داخل البلاد و10.67 في المائة في الخارج، تشكل سابقة في التاريخ السياسي الجزائري، وتعكس، بحسب تقديره، رفضا شعبيا صامتا للنظام الحاكم أكثر من كونها تعبيرا عن لامبالاة سياسية أو عزوف ظرفي، في ظل هيئة ناخبة تناهز 25 مليون مسجل، وهو ما يكشف عن أزمة شرعية بنيوية وتناقض بين الخطاب الرسمي حول نزاهة الانتخابات والواقع الذي يتسم، وفق تعبيره، بتغييب الإرادة الشعبية.

وأضاف الكاين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن القراءة الإحصائية لنتائج هذا الاستحقاق تؤكد سقوط رهانات التمثيلية السياسية للمؤسسات المنبثقة عنه، موضحا أن نسبة المشاركة النهائية تعني، عمليا، أن نحو 80 في المائة من الكتلة الناخبة، أي ما يقارب 20 مليون جزائري، اختاروا التعبير عن رفضهم العملية الانتخابية عبر المقاطعة، وهو ما يجرد البرلمان المقبل من أي سند شعبي أو مشروعية ديمقراطية فعلية، ويحوله إلى مؤسسة تفتقر إلى مقومات تجسيد الإرادة الوطنية في إطار دولة الحق والقانون.

وأكد المهتم بالشأن السياسي والحقوقي أن التراجع في نسبة المشاركة مقارنة بانتخابات سنة 2021، التي بلغت 22.99 في المائة، يعكس فشل الخطاب الرسمي الذي روج لمشروع “الجزائر الجديدة” باعتباره بديلا سياسيا يستجيب لتطلعات المواطنين، موردا أن هذا التراجع يعمق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، ويؤشر على استمرار تآكل مصداقية الانتخابات كآلية للتغيير الديمقراطي، بعدما أصبحت، في نظر قطاع واسع من الرأي العام، وسيلة لإعادة إنتاج البنية السلطوية القائمة بدل تجديد النخب وتحقيق الاستقرار السياسي.

ولفت المتحدث ذاته إلى أن قرار السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تمديد فترة التصويت لمدة ساعة إضافية في عدد من مكاتب الاقتراع يعكس حالة من الارتباك المؤسساتي ومحاولة لرفع نسب المشاركة بعد ضعف الإقبال الذي ميز يوم الاقتراع، مبرزا أن هذا الإجراء بات يمثل ممارسة متكررة تهدف إلى الحد من تداعيات الأرقام المتدنية أمام الرأي العام والمراقبين الدوليين، ويكشف عن اتساع القطيعة بين السلطة والمجتمع في ظل مشهد سياسي يفتقر إلى الحد الأدنى من التنافسية الحقيقية.

وسجل الكاين أن نسبة المشاركة في أوساط الجالية الجزائرية بالخارج، التي لم تتجاوز 10.67 في المائة، تعكس قطيعة سياسية ووجدانية عميقة بين الجزائريين المقيمين بالخارج والمنظومة الحاكمة، وتبرز إخفاق المقاربات الرسمية في استقطاب هذه الفئة لإضفاء طابع شمولي على العملية الانتخابية، لافتا إلى أن هذه النسبة تعد الأدنى في تاريخ الانتخابات التشريعية الخاصة بالمهاجرين، وهو ما يجسد اصطفاف الجالية إلى جانب الموقف الرافض للعملية الانتخابية في ظل غياب الضمانات الحقوقية والسياسية.

وتابع المحلل ذاته: “إن هذا العزوف في صفوف الجالية يرتبط أيضا باستقلالية المغتربين عن شبكات الزبونية السياسية وأدوات الضغط الإداري المعتمدة داخل البلاد، وهو ما أتاح لهم التعبير بحرية أكبر عن مواقفهم عبر المقاطعة”، مشددا على أن هذه الرسالة تؤكد رفضهم أن يكونوا جزءا من “ديكور ديمقراطي” يهدف إلى تحسين صورة النظام، وتمسكهم بالمطالبة بمؤسسات تعبر عن الإرادة الشعبية بعيدا عن أي وصاية أمنية أو عسكرية.

وأورد المصرح لهسبريس أن ارتفاع الوعي الحقوقي لدى الجزائريين المقيمين في البلدان الديمقراطية، خاصة في أوروبا، أسهم في ترسيخ هذا الموقف، بالنظر إلى متابعتهم المستمرة أوضاع حقوق الإنسان داخل الجزائر وما يطال نشطاء الحراك الشعبي والمعارضة من تضييق، وهو ما عزز قناعة واسعة بأن المشاركة في انتخابات تفتقر إلى شروط التنافسية الحقيقية تمثل شكلا من أشكال منح الشرعية لواقع سياسي لا يحترم الحريات الأساسية، مؤكدا أن الشرعية الديمقراطية لا تتحقق إلا بضمان الحقوق وفتح المجال العمومي أمام مختلف الفاعلين السياسيين.

وأجمل عبد الوهاب الكاين بأن المؤشرات الرقمية والميدانية لهذه الانتخابات تقود، من وجهة نظره، إلى استنتاج مفاده أن العملية الانتخابية فقدت جوهرها الديمقراطي وتحولت إلى إجراء إداري يفتقر إلى الفعالية السياسية، الأمر الذي يضع النظام الجزائري أمام أزمة شرعية عميقة لا يمكن تجاوزها بمجرد التأكيد على نزاهة الإجراءات الشكلية، مضيفا أن البرلمان المنبثق عن هذا المسار سيظل، في ظل هذه المعطيات، محل تشكيك في مشروعيته السياسية والأخلاقية، وغير قادر على أداء أدواره التشريعية والرقابية، بما ينذر باستمرار حالة الانسداد السياسي وتعثر أي انتقال ديمقراطي حقيقي.

The post عزوف قياسي يضرب انتخابات الجزائر ويوسع التشكيك في شرعية البرلمان appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress