عزلُ القرم... لماذا تضرب أوكرانيا "درة تاج" روسيا؟
في القرم، "نحن نعزل المداخل لا المخارج".
هذا ما أعلنه مؤخراً قائد قوات الأنظمة غير المأهولة في الجيش الأوكراني روبرت بروفدي. كان قصده أن أوكرانيا تقصف شبه الجزيرة فيما أبقت المنافذ مفتوحة كي ينسحب منها الجيش الروسي.
حتى من دون تصريحات المسؤولين الأوكرانيين، تبقى المعادلة واضحة: من بين أبرز أهداف المسيّرات والصواريخ الأوكرانية، تظلّ شبه جزيرة القرم الهدف الأهمّ لكييف.
في الشهرين الأخيرين تقريباً، مثّلت البنية التحتية النفطية داخل روسيا، والإمدادات اللوجستية الروسية في الأراضي الأوكرانية المحتلة، إضافة إلى القواعد العسكرية والطرقات السريعة والمنشآت النفطية في القرم، ثلاثة أهداف رئيسية لدى أوكرانيا. فلماذا يُرجّح أن تكون القرم الهدف الأكثر إيلاماً لروسيا؟
القرم والثقل الرمزيّ
كانت القرم جزءاً من روسيا حتى سنة 1954 حين قرر السوفيات نقلها إلى أوكرانيا كجزء من ترتيب إداري. الأهم أنها كانت مكان اعتناق الأمير فلاديمير العظيم المسيحية. يُعدّ الأمير فلاديمير (فولوديمير بالأوكرانية) من أبرز الشخصيات المؤسسة للتقليد المسيحي الأرثوذكسي لدى السلاف الشرقيين (يكرّمه الروس والبيلاروس والأوكرانيون). لقد تعمّد سنة 988 في بلدة خيرسونيسوس (التي تعني باليونانية شبه الجزيرة)، وهي إحدى ضواحي مدينة سيفاستوبول. تضمّ هذه المدينة أيضاً مقر أسطول البحر الأسود. (تتمتع المدينة بوضع إداري خاص منفصل عن القرم). أسّست الإمبراطورة كاترين العظيمة (1729-1796) ذلك الأسطول لتصبح روسيا قوة بحرية بعد ضمّها الجزيرة سنة 1783 عقب سلسلة حروب مع السلطنة العثمانية.

يعزّز هذا الثقل التاريخي والديني أهمية شبه الجزيرة بالنسبة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لذلك، كانت السيطرة على القرم وتأسيس جسر كيرتش الذي يربط روسيا بشبه الجزيرة "درّة تاج" مشاريع بوتين الخارجية. في الواقع، سيطرت روسيا على شبه الجزيرة سنة 2014 بسهولة نسبية. سقطت القرم في غضون أسبوعين تقريباً، ونظّمت موسكو استفتاء فيها وصفه الغرب بأنه "غير قانوني" و"مزيف". بحسب نتائجه، صوّت نحو 97 في المئة من سكان القرم لمصلحة الانضمام إلى روسيا. في المقابل، كان نحو 54 في المئة منهم قد صوّتوا أواخر سنة 1991 للاستقلال عن الاتحاد السوفياتي.
"تأثير القرم" و"تصحيح التصحيح"
تمتّعت خطوة الضم بتأييد واسع جداً داخل روسيا. فقد ارتفعت شعبية بوتين من 60 إلى 80 في المئة، لذلك، وصف مراقبون من داخل البلاد الحدث بـ "تأثير القرم". ويمكن أن يكون ضم شبه الجزيرة قد ساهم في تعزيز ثقة الكرملين بنفسه كي يأمر بتدخل عسكري كبير في سوريا، بعد نحو عام ونصف العام على الحدث. في ذلك الوقت، كانت روسيا في ذروة صعود نفوذها الدولي. اليوم، تعكف أوكرانيا على عكس الآية. وفي القرم تحديداً، يصبح الوضع حرجاً.
فبالإضافة إلى الثقل المعنوي لشبه الجزيرة، تعدّ الأخيرة مقصداً سياحياً بارزاً للروس، خصوصاً للمتقاعدين منهم. مشاهد طوابير السيارات على محطات الوقود في روسيا تكررت أيضاً في القرم. لكن في شبه الجزيرة، كانت طوابير أخرى من السيارات تغادر باتجاه الداخل الروسي. في حزيران/يونيو الماضي، انخفضت حجوزات الفنادق بنسبة 79 في المئة، وتم فرض حالة الطوارئ والتقنين في ساعات التغذية وتوزيع الوقود.
سنة 2015، قال بوتين إن ضم القرم "صحّح" ما سمّاه "ظلماً تاريخياً" مؤكداً عدم ندمه على ذلك القرار. اليوم، تريد أوكرانيا "تصحيح التصحيح". تتفاوت التقديرات الغربية حيال ما إذا كان بإمكانها استعادة شبه الجزيرة عسكرياً، لكن التشكيك سائد عموماً. يتطلب ذلك المجهود موارد بشرية ومادية من المرجّح ألا تكون متاحة حالياً. لكن مجرّد تهديد شبه الجزيرة بالعزل يفرض أوراقاً ضاغطة على بوتين. بالحد الأدنى، كلما ازداد الخطر على "درة تاج" سياسته الخارجية أصبح امتناعه التفاوض أكثر صعوبة.