عزلتان في "ملحمة روسيو"
تنطلق رواية “ملحمة روسيو” للكاتب عبد الكريم عباسي من عتبة العنوان المثقلة بالدلالات. “روسيو” ليست مجرد ساحة شهيرة تنبض بالحياة في قلب لشبونة. إنها تتحول هنا إلى رمز للذاكرة الجماعية البرتغالية، وفضاء تتقاطع فيه مصائر الأفراد مع تحولات التاريخ. أما لفظة “الملحمة”، فتحيل مباشرة إلى رحلة إنسانية شاقة؛ رحلة يخوضها البطل في مواجهة العزلة، الفقد، المرض، والحنين.
تندرج هذه الرواية ضمن الأدب الاجتماعي النفسي، وتستثمر حدثاً تاريخياً كونياً هو جائحة كوفيد- 19، لتفكيك أزمات الإنسان المعاصر وعلاقاته المتصدعة داخل عالم تزداد فيه وسائل التواصل اتساعاً، بقدر ما تتراجع فيه جسور التواصل الإنساني الحقيقي.
تتمحور الرواية حول شخصية خوسي أنطونيو دا سيلفا. هو أستاذ جامعي وكاتب معروف، يعيش مفارقة وجودية عميقة؛ إذ يحظى بالتقدير والثناء في محيطه الثقافي والاجتماعي، غير أنه يفتقد أبسط أشكال الاعتراف داخل بيته.
في عمق البيت، يسود صمت ثقيل، يجلس خوسي في مكتبه، وتحيط به الكتب، لكنه يشعر بوحدة قاتلة. منذ سفر ابنيه التوأمين إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمتابعة دراستهما، دخلت العلاقة بينه وبين زوجته كاتالينا مرحلة الجفاف العاطفي.
تتحرك كاتالينا في الردهات بخطوات متثاقلة، منشغلة بأوجاعها الصحية وبحياتها الخاصة. يغيب الحوار تماماً، ويحل الهاتف الذكي محله. الشاشات الزرقاء تضيء الوجوه المطفأة، ومواقع التواصل الاجتماعي تعوض دفء العلاقة الزوجية المفقود. هكذا يجد خوسي نفسه غارقاً في عالم افتراضي، يلتهم عزلته ويملأ به فراغاً داخلياً متنامياً، بينما يتسع الشرخ بين الزوجين شيئاً فشيئاً، ليتحول البيت الذي يفترض أن يكون فضاءً للألفة، إلى مكان بارد وطارد.
تحول الفضاء الروائي في النص من مجرد خلفية جغرافية إلى عنصر فاعل يشكّل التجربة النفسية للشخصيات ويعكس أزماتها الداخلية. ويتجلى ذلك بوضوح في البيت الزوجي، الذي استحال فضاءً بارداً وطارداً يجسد تفكك العلاقة والجفاف العاطفي بين الزوجين بعد أن كان مأوى للألفة. وتتجسد هذه الغربة أيضاً في مدينة ووهان، التي برزت كفضاء معادٍ يرمز إلى الخطر المجهول وبؤرة للقلق الدائم على مصير الأبناء المحاصرين فيها. ولم يسلم فندق إشبيلية من هذه التحولات الوجودية؛ فرغم أنه بدأ كفضاء رومانسي دافئ يغمره أمل استعادة الحب القديم، إلا أنه سرعان ما تحول بفعل الحجر الصحي الصارم إلى مكان قاحل للحصار والعزلة الشديدة.
يعتمد السرد في تشييد هذه الأزمة النفسية على تقنية الاسترجاع الزمني، إذ يلجأ البطل مرارا إلى ذاكرته كلما اشتد عليه فراغ الحاضر وبرودته. فخوسي لا يكتفي بتذكر طفولته وشبابه، بل يتخذ من الماضي ملاذا روحيا يهرب إليه من عزلته المتفاقمة. يستحضر مكتبة السيد بيدرو، ذلك الفضاء الساحر الذي شهد البدايات الأولى لتكوّن وعيه الفكري وشغفه بالأدب والمعرفة، حيث كانت رفوف الكتب العتيقة ورائحة الورق القديم تمنحه إحساسا بالأمان والدفء افتقده في حياته الراهنة. كما تعود إلى ذهنه ذكريات حبه الأول مع إلينا، الفتاة التي تقاسم معها أحلام الشباب وطموحاته قبل أن يبددهما الزمن وتفرض عليهما الحياة مسارات متباعدة.
تكتسب شخصية إلينا أهمية خاصة داخل البناء الروائي، إذ لا تظهر بوصفها مجرد حبيبة قديمة عابرة، بل تبرز باعتبارها تجسيداً حياً للذاكرة العاطفية التي قاومت النسيان على مر السنين. فبعد عقود طويلة من الفراق والغياب، يعود الفضاء الرقمي ليعيد وصل ما انقطع بينهما في مفارقة سردية لافتة؛ حيث تتحول وسائل التواصل الاجتماعي هنا من عامل تفكك أسري وعزلة جافة إلى وسيلة غير متوقعة لاستعادة حب قديم ضائع. غير أن المؤلف لا يقدم هذه العلاقة البعثية في صورة رومانسية مثالية أو حالمة، بل يحيطها بأسئلة أخلاقية ونفسية شديدة التعقيد، خصوصاً في ظل ارتباط الطرفين بعلاقات أسرية قائمة، وما يرافق ذلك التداخل من مشاعر ذنب حارقة، وارتباك وجودي، وبحث مستميت عن الخلاص وسط أزمة عالمية طاحنة.
تتوازى هذه الحكاية العاطفية مع حدث عالمي ضخم: ظهور فيروس كورونا وانتشاره السريع عبر العالم. وتتجلى براعة الرواية في مزج الخاص بالعام؛ إذ يصبح الوباء أكثر من مجرد خلفية زمنية للأحداث، إنه يتحول إلى استعارة كبرى تعكس هشاشة الإنسان المعاصر. فكما يهدد الفيروس الأجساد، يهدد الفراغ العاطفي والاغتراب الروحي العلاقات الإنسانية من الداخل.
يتصاعد القلق لدى خوسي بشكل حاد. تتوارد الأخبار عبر التلفاز: إغلاق، حصار، ووفيات. يُحتجز ابناه في مدينة ووهان الصينية، التي تحولت فجأة إلى فضاء معادٍ يرمز إلى الخطر المجهول. تتداخل في ذهن خوسي مخاوف الأب القلق على أبنائه، مع اضطراب العاشق المرتبك، ومع مسؤوليات المثقف المكلف بالإشراف على الاحتفال بذكرى ثورة القرنفل.
يمثل الفضاء الروائي أحد أهم مرتكزات الدلالة داخل النص، حيث يتحول المكان من مجرد خلفية للأحداث إلى عنصر فاعل يسهم في تشكيل التجربة النفسية للشخصيات ويعكس تحولاتها الداخلية. ويتجلى هذا التداخل السيكولوجي بوضوح في البيت الزوجي، الذي استحال فضاءً بارداً وطارداً يجسد عمق تفكك العلاقة والجفاف العاطفي الذي يعيشه الزوجان تحت سقف واحد. وتتسع دائرة الاغتراب لتصل إلى مدينة ووهان، التي برزت كفضاء معادٍ وموحش يرمز إلى الخطر المجهول، ويتحول إلى بؤرة مشتعلة للقلق والخوف الدائم على مصير الأبناء المحاصرين هناك. ولم يسلم فندق إشبيلية من هذه التحولات الوجودية القاسية؛ فرغم أنه بدأ كفضاء رومانسي دافئ يبشر باستعادة الحب القديم، إلا أنه سرعان ما تحول، بمجرد فرض الحجر الصحي الصارم، إلى مكان ضيق وموحش للحصار والعزلة التامة. تعكس الأمكنة التحولات الداخلية للشخصيات؛ فكلما ازدادت عزلة خوسي النفسية ضاقت الفضاءات من حوله، وكلما انفتحت علاقته بإلينا اتسعت آفاق الأمل أمامه. غير أن هذا الأمل سرعان ما يصطدم بواقع الوباء الشرس.
يصل خبر إصابة زوجته كاتالينا بالفيروس. تتسارع الأحداث، وتتوفى الزوجة، فيتحول الفضاء فجأة إلى مرآة مطلقة للخسارة، الانكسار، والشعور بالذنب. تبرز هنا ثنائية الفضاء الأليف والفضاء المعادي بوصفها محورا جماليا أساسيا.
تكشف القراءة العميقة للنص أن المؤلف لا يروي فقط قصة حب متأخرة أو حكاية وباء عالمي، بقدر ما يطرح أسئلة وجودية تتعلق بمعنى التواصل، الاعتراف، والحاجة الإنسانية إلى الحب مهما تقدم العمر.
إن نجاح خوسي الأدبي والأكاديمي لم يكن كافياً لتعويض حرمانه العاطفي. كما أن التكنولوجيا التي قرّبت المسافات بين القارات لم تستطع أن تمنع اتساع المسافة بين زوجين يعيشان تحت سقف واحد. ومن هنا تنبثق الرؤية الفكرية للرواية، التي تؤكد هشاشة الإنسان أمام الزمن، المرض، والوحدة، وفي الوقت نفسه تؤمن بقدرة الحب والذاكرة على منح الحياة معنى جديدا.
إن “ملحمة روسيو” في جوهرها رواية عن الإنسان المعاصر وهو يواجه عزلتين متوازيتين: عزلة فرضها الوباء على العالم، وعزلة أعمق فرضتها هشاشة العلاقات الإنسانية. وبين هاتين العزلتين، يرسم عبد الكريم عباسي رحلة بطله في البحث عن الدفء والمعنى، ليجعل من الرواية شهادة فنية على مرحلة تاريخية استثنائية، وتأملاً إنسانياً عميقاً في مصير الفرد داخل عالم سريع التحول.
The post عزلتان في "ملحمة روسيو" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.