عرس وعقاب جماعي
كل صيف تقريبًا، يتكرر نفس المشهد في أحياء كثيرة من المغرب: عرس، فرح، زغاريد، وموسيقى تنطلق من مكبرات صوت لا تعرف الرحمة، ولا تتوقف عند حدود القاعة أو البيت، بل تخترق الجدران وتدخل غرف النوم، وتوقظ الرضع، وتقطع على المرضى راحتهم، وتسرق من العمال والطلبة ساعات نومهم القليلة أصلًا. لا أحد يعترض على الفرح في حد ذاته، فالأعراس عندنا جزء من نسيج اجتماعي عريق، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ حين يتحول هذا الفرح الشخصي إلى عبء يتحمله حي بأكمله لم يُدعَ أصلًا إلى الحفل.
الغريب أن هذه الليالي الصاخبة لم تعد تنتهي عند منتصف الليل كما كانت في السابق، بل صارت تمتد إلى ما بعد الفجر، وكأن الوقت توقف عند حدود القاعة وحدها. وفي كل مرة يتجدد السؤال نفسه: أين تنتهي حرية الاحتفال؟ وأين يبدأ حق الجيران في النوم والهدوء؟ سؤال بسيط في ظاهره، لكنه يحمل تناقضًا عميقًا بين ما هو مكتوب في القانون وما يجري فعليًا على أرض الواقع.
فالكل يعرف، أو يفترض أنه يعرف، أن هناك ضوابط تمنع الإزعاج الليلي، وأن حرية الاحتفال ليست مطلقة، وأنها مقيدة بحق الآخرين في الراحة. لكن هذه القوانين، لسبب ما، تتوقف عن الفعل بمجرد أن تُشغَّل الأغاني وترتفع أصوات المكبرات، وكأن العرس يمنح صاحبه ترخيصًا غير مكتوب يعفيه من كل الضوابط.
والأسوأ من كل هذا أن هذا الخرق للقانون لم يعد يُنظر إليه كتجاوز، بل تحول في نظر كثيرين إلى جزء طبيعي من “أجواء” الفرح. فإذا اشتكى أحد الجيران من الضجيج، سرعان ما يُتهم بأنه شخص عابس لا يحب الأفراح، أو بأنه يريد أن يفسد على الناس مناسبتهم، في حين أن ما يزعجه ليس العرس نفسه، بل تحويله إلى عقوبة جماعية تمتد ساعات وساعات دون مراعاة لأحد.
فكروا معي قليلًا: هل من المعقول أن يبكي رضيع طوال الليل بسبب صوت لا يُحتمل؟ هل من الإنصاف أن يقضي مريض ليلته وهو يتألم دون أن يقدر على الإغماض عينيه؟ وهل يستحق عامل أن يذهب إلى عمله في الصباح منهكًا بعد ليلة بيضاء، أو أن يدخل تلميذ قاعة امتحانه بعينين مثقلتين بالتعب، فقط لأن أحدًا قرر أن يجعل من الحي بأكمله جمهورًا لحفل خاص به؟ هؤلاء أيضًا بشر، ولهم من الحقوق ما لا يقل عن حق صاحب العرس في أن يفرح.
في الحقيقة، المشكلة ليست في الموسيقى بحد ذاتها، بل في ذهنية باتت تربط نجاح أي عرس بمدى ارتفاع صوته، وكأن قيمة الفرحة تُقاس بعدد الأحياء التي وصل إليها الضجيج، أو بعدد الأشخاص الذين حُرموا من النوم بسببه. هذه ثقافة تحتاج فعلًا إلى إعادة نظر، لأن الفرح لا يزداد جمالًا حين يتحول إلى مصدر أذى لغيرك.
والمفارقة الأكبر أن بعض منظمي هذه الأعراس يحرصون بشدة على النظام داخل القاعة، فيمنعون استخدام الهواتف، ويطلبون من الحضور احترام تعليمات معينة، بينما يوجهون في الوقت نفسه عشرات الآلاف من الواطات نحو الخارج، دون أن يشغلهم للحظة أن هناك حيًا بأكمله بات رهينة لضجيج لم يخترْه ولم يوافق عليه.
ولا يمكننا هنا أن نعفي السلطات المحلية من مسؤوليتها في هذا الملف. فالقانون لا يستمد قوته من مجرد وجوده على الورق، بل من تطبيقه على الجميع بلا استثناء ولا محاباة. وإذا كانت هناك بالفعل مقتضيات تنظم استعمال مكبرات الصوت وتحمي راحة السكان، فإن السهر على احترامها لا ينبغي أن يظل رهينًا بشكوى هذا أو مزاج ذاك المسؤول. فالدولة التي تحرص على حماية أمن مواطنيها، مطالبة بنفس القدر بحماية راحتهم أيضًا.
احترام القانون هنا لا يعني أبدًا محاربة الأعراس أو الوقوف ضد الفرح، كما أن المطالبة بشيء من الهدوء ليست دعوة لإلغاء الاحتفالات. على العكس تمامًا، فالمجتمعات التي نضجت هي تلك التي عرفت كيف توازن بين الأمرين: احتفال يُسعد أصحابه دون أن يتحول إلى أذى يطال من حوله. أما أن يتحول الفرح إلى اعتداء يومي على سكينة الناس، فهذا ليس تقليدًا يستحق أن نتمسك به أو ندافع عنه، بل عادة سيئة تستوجب المراجعة والتصحيح.
وربما آن الأوان لنطرح سؤالًا يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة عميق جدًا: لماذا أصبح بعض الناس، في مناطق معينة من المغرب، يخافون من قدوم الصيف، ليس فقط بسبب الحر، بل بسبب ليالٍ طويلة من الضجيج الذي لا يعرف الرحمة ولا يحترم أحدًا؟ ولماذا صار احترام حق الجار في أن ينام في بيته أمرًا استثنائيًا نادرًا، بينما تحول تجاوز القانون إلى عادة موسمية متكررة كل عام؟
المجتمع الذي يحترم قوانينه لا يُقاس فقط بعدد النصوص التي يسنّها أو يصدرها، بل بقدرته الفعلية على حماية أبسط حقوق أفراده. وربما يكون من أبسط هذه الحقوق، وأكثرها إنسانية، أن يستطيع الإنسان أن ينام في بيته بسلام، دون أن تفرض عليه مكبرات صوت جاره حضور عرس لم توجَّه له فيه دعوة أصلًا.
The post عرس وعقاب جماعي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.