عاد البابا لاوون الرابع عشر ليقولها لا تبيعوا الإنسان

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

الاب ريمون أبي تامر

 

 

 

مقدمة: كنيسة لا تعيش خارج التّاريخ
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكتفي الكنيسة بالوعظ الفردي والتقليدي فتنتقل إلى رفع صوتها لتقرأ التاريخ بنور الإنجيل. وهكذا وُلد ما نسمّيه اليوم "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ" الذي يُعد مسار تمييز جماعيّ يربط بين سرّ الإنسان وسرّ الكلمة المتجسّد. وإن كان لهذا التّعليم نقطة ولادة واضحة، فهي رسالة "الشؤون الحديثة Rerum Novarum"  للبابا لاوون الثّالث عشر سنة 1891. واليوم، بعد 134 سنة تقريباً، يعود اسم لاوون ليُفتتح عهدٌ جديد مع الرسالة التعليمية الأولى التي نشرت في 25 أيار 2026 للبابا لاوون الرّابع عشر: الإنسانية الرّائعة Magnifica humanitas .
الربط بين البابوين لا يقارب من باب الصدفة، لأنه تذكير بأنّ العالم حين يواجه صعوبات مختلفة في كل عصر نلتمس أن الكنيسة لا تكرّر الأجوبة لكي تكون جاهزة ومعلبة بحسب الطلب. الكنيسة تسير نحو العمق لتطرح السؤال الجوهري كيف تُحفظ كرامة الإنسان في عالم يتغيّر بسرعة؟
البابا لاوون الثّالث عشر ورسالة الشؤون الحديثة: ميلاد التّعليم الاجتماعيّ

الإطار التاريخي والسياسي
أواخر القرن التاسع عشر كانت أوروبا تعيش أكبر ثورة صناعية شهدها التاريخ. مصانع عملاقة، نزوح جماعي من الريف إلى المدينة، طبقة عمّالية بلا حماية، وأجور لا تكفي للعيش الكريم. في المقابل، نشأ خطان متطرفان: نيوليبرالية تترك الإنسان فريسة للسوق، واشتراكية حالمة ترى في الصراع الطبقي الحلّ الوحيد حيث يقاس الانسان بانتاجيته فقط. في هذا المناخ كتب البابا لاوون الثّالث عشر رسالته التعليمية Rerum Novarum  الشؤون الحديثة. الرسالة لا تعد تدخلاً في السياسة اليومية الضيقة، فهي توضح ان إعلان الإنجيل لا يمكن أن يتجاهل "حياة الشعوب العملية". ولأوّل مرة نرى المقاربة المباشرة للكنيسة من خلال اعتمادها منهجاً قائماً على الكتاب المقدس واللاهوت السياسي الاجتماعي لقراءة الواقع الإنساتي والاقتصادي، وتقديم المبادئ والمعايير التي تحفظ كرامة الإنسان.

جوهر الرسالة
-  مركزية العمل والكرامة: العمل هو تعبير عن الإنسانية. لذلك يجب أن يكون الأجر عادلاً ويكفي لإعالة العائلة. 
-  الملكية الخاصة بوظيفة اجتماعية: حقّ الملكية مشروع، لكنه خاضع للغاية المشتركة لخيرات الأرض بمعنى الخير العام. 
-  الهيئات الوسيطة: دعم النقابات والجمعيات المهنية كحماية ضد استبداد الدولة أو رأس المال. 
- رفض الصراع الطبقي: البديل هو التعاون بين العمل ورأس المال في إطار العدالة والتضامن.
بهذه الوثيقة وُلد تعليم الكنيسة الاجتماعيّ. ومنها انطلقت سلسلة طويلة من الرسائل والتعاليم:  Quadragesimo Anno، Mater et Magistra، Gaudium et Spes، وصولاً إلى Laudato Si’ Fratelli Tutti  . كلّها فصول في تعليم حيّ واحد وهو قراءة علامات الأزمنة بنور الإنجيل.
ـ لاوون الرّابع عشر ورسالة "الإنسانية الرّائعة"  Magnifica humanitas في عصر الذكاء الاصطناعيّ
الإطار الجديد: الثورة الرقمية
إذا كان البابا لاوون الثّالث عشر واجه عصر البخار والحديد، فإن البابا لاوون الرّابع عشر يواجه عصر الخوارزميات والبيانات، الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، المنصات الرقمية العابرة للأوطان، كلها غيّرت عميقاً طريقة الإنتاج، واتخاذ القرار، وحتى الخيال الجماعي. القوة التكنولوجية لم تعد حكراً على الدول وحسب فانتقلت إلى شركات خاصة تملك موارد تفوق بعض الحكومات.
من هنا يبدأ البابا لاوون الرّابع عشر رسالته الأولى: "الإنسانية الرّائعة التي خلقها الله تقف اليوم عند مفترق طرق". تحوّل السؤال من هل نقبل التكنولوجيا أم نرفضها؟ إلى هل سنبني بها "برج بابل"  جديداً يقوم على الكبرياء والاكتفاء الذاتي، أم سنعيد بناء "أورشليم" حيث يسكن الله والإنسان معاً؟ 
المضمون اللاهوتي السياسي للرسالة
1- علامتان كتابيتان كمعيار تمييز
  - بابل: نموذج السلطة التي تريد السيطرة على السماء، وتختزل الإنسان إلى بيانات قابلة للقياس، وتضحّي بالضعفاء على مذبح الكفاءة. 
  - أورشليم: نموذج الشعب الذي يعمل معاً، بقيادة نحميا، لإعادة بناء الجدران. والاعتراف بأن القوة تأتي من الله.

2- إعادة تأكيد أسس التعليم الاجتماعيّ: 
  - الكرامة غير القابلة للتصرّف: لا تتغيّر الكرامة بالذكاء الاصطناعي. أي نظام يحوّل الإنسان إلى وسيلة أو مورد يُستغل، يخرج عن المشروع الإلهي. 
  - الغاية الشاملة تمتدّ إلى البيانات: براءات الاختراع، الخوارزميات، والبنية التحتية الرقمية ليست ملكاً خاصاً مطلقاً. يجب أن تُنظّم لخدمة الخير العام، وإلا اتسعت الفجوة بين المشمولين والمستبعدين. 
  - اللامركزية والتكامل: القرارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تُحتكر في مراكز عليا غير شفافة. يجب أن تُتخذ بأقرب ما يمكن من الناس المتأثرين بها، مع آليات مساءلة وتدقيق مستقل.

3- الدعوة السياسية: البابا لا يطالب بكنيسة تحكم، بل بكنيسة تُنبّه. ينادي بسياسة أفضل قادرة على وضع حدود أخلاقية للتقنية، وبمسؤولية مشتركة تجمع العلماء، رجال الأعمال، العمال، المجتمع المدني، والحركات الشعبية. الهدف ليس رفض التكنولوجيا، بل توجيهها نحو "حياة كريمة للجميع".

     
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية