ظاهرة حسن أحمديان: كفاءة التحليل في مواجهة هشاشة الطرح

في مشهد إعلامي عربي تتسارع فيه المناظرات وتشتد فيه الاستقطابات، برز حسن أحمديان كحالة تستحق التوقف عندها، لا باعتباره مجرد ضيف متكرر في البرامج السياسية، بل كنموذج يكشف خللًا أعمق في بنية الخطاب ذاته. فحضوره في ساعة للنقاش على الجزيرة لم يكن لافتًا فقط بسبب مواقفه، بل بسبب الطريقة التي تُعرض بها هذه المواقف في مقابل ما يبدو، في كثير من الأحيان، هشاشة في الطرح المقابل.

ينبع هذا التأثير أولًا من تكوينه العلمي في دراسات الشرق الأوسط، وهو تكوين ينعكس مباشرة على أسلوبه في التفكير والتعبير. فالرجل لا يتعامل مع القضايا بوصفها مواقف آنية، بل كبُنى معقدة لها جذور وسياقات. هذا ما يجعل مداخلاته تبدو مترابطة، تبدأ من تعريف المفاهيم، مرورًا بالسياق التاريخي، وصولًا إلى استنتاجات تبدو منطقية – حتى لمن لا يتفق معه. كما أن ارتباطه بأنشطة أكاديمية دولية، من بينها فعاليات علمية مرتبطة بـ جامعة هارفارد، يضيف إلى صورته بعدًا من المصداقية، ويمنحه سلطة معرفية لا تتوفر دائمًا لغيره من المتدخلين.

غير أن الكفاءة التحليلية وحدها لا تكفي لصناعة التأثير، بل تحتاج إلى مهارة في إدارتها داخل فضاء النقاش. وهنا يظهر أحد أهم عناصر قوته: القدرة على إعادة تشكيل الحوار بدل الانجرار داخله. فعندما يُطرح سؤال مباشر، لا يكتفي بالإجابة، بل يعيد صياغته ضمن إطار أوسع، محولًا النقاش من مستوى الحدث إلى مستوى البنية. هذا التحول لا يربك الخصم فقط، بل يمنحه هو موقع المتحكم في إيقاع الحوار، وكأن النقاش يدور ضمن قواعد يضعها هو.

ويأتي الهدوء كعنصر مكمل لهذه السيطرة. فبينما يغلب التوتر على كثير من المناظرات، يحافظ أحمديان على نبرة متزنة، ما يمنحه أفضلية نفسية واضحة. هذا الهدوء لا يعكس فقط ثقة، بل يعمل كأداة تواصل فعالة، إذ يدفع المشاهد-بوعي أو بدونه-إلى ربط الاتزان بالقوة، والانفعال بالضعف. وهنا تبدأ المفارقة: قد يخسر طرف ما النقاش في نظر الجمهور، ليس لأن حجته أضعف، بل لأن طريقة عرضها بدت أقل تماسكًا.

لكن الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق السياسي الأوسع، خاصة صورة إيران في الوعي العربي منذ الثورة الإسلامية الإيرانية. فبالنسبة لشريحة من الجمهور، تمثل إيران نموذجًا لدولة صمدت في وجه ضغوط خارجية، وهو ما يمنح أي خطاب مرتبط بها قابلية أولية للتقبل. في هذا الإطار، يظهر أحمديان وكأنه يعبر عن “طرف صلب” في مواجهة أطراف يُنظر إليها أحيانًا على أنها أقرب إلى سياسات الولايات المتحدة أو إسرائيل. ورغم أن هذا التصور يبسط واقعًا إقليميًا شديد التعقيد، إلا أنه يملك قوة تأثير كبيرة في تشكيل الانطباع العام.

في المقابل، تكشف هذه الظاهرة عن إشكال آخر لا يقل أهمية، وهو هشاشة بعض الخطابات المقابلة. فبدل تقديم تحليلات متماسكة، يميل بعض المتدخلين إلى خطاب إنشائي أو دفاعي، يفتقر إلى العمق أو التنظيم. وعندما يقترن ذلك بالانفعال أو التكرار، يصبح من السهل على طرف أكثر تماسكًا أن يبدو متفوقًا. هنا لا يكون التفوق مطلقًا، بل نسبيًا، ناتجًا عن فجوة في الأداء أكثر منه عن تفوق في الحقيقة ذاتها.

وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مضاعفًا في ترسيخ هذه الصورة، إذ يتم اقتطاع لحظات محددة تُظهر أحمديان في موقع القوة، مقابل لحظات ضعف للآخرين، لتُعاد صياغة المشهد كأنه انتصار كامل. غير أن هذا “الانتصار” يبقى، في جوهره، انتصارًا في ساحة الخطاب، لا في تعقيدات الواقع السياسي الذي لا يُحسم بمناظرة تلفزيونية.

في النهاية، لا تختزل ظاهرة حسن أحمديان في شخصه فقط، بل تعكس تحوّلًا أعمق في طبيعة التأثير الإعلامي. إنها تبرز كيف يمكن لـ”كفاءة التحليل” أن تتفوق على “هشاشة الطرح”، وكيف أن امتلاك أدوات التفكير والتعبير قد يكون كافيًا لصناعة التفوق الرمزي. وبينما يظن البعض أن المعركة تدور حول المواقف، تكشف هذه التجربة أن المعركة الحقيقية تدور حول كيفية تقديم هذه المواقف – وهنا، غالبًا، يُحسم الانطباع قبل أن تُحسم الحقيقة.

اقرأ المقال كاملاً على لكم