طي ملف "أحداث خلدة"... من دون قفّازات
علي الشاهين - اعلامي وباحث في العلوم السياسية
في هذه المرحلة الحساسة والحرجة والمفصلية التي يمر بها الوطن، واستشرافاً وتقديراً لحسابات، ومقاربة عاقلة لعواقب ما يحصل وآثاره في البلد خصوصاً والمنطقة العربية عموماً، إثر ذلك تحرك أصحاب الإرادات الصلبة والعقلية الفذة بإدارةٍ كفية وخبيرة في "علم الملفات الشائكة"، معتمدين ذهنية مديري القضايا الحساسة والشاقة والمصيرية ومسؤوليها.
وبرؤيةٍ استراتيجية ومستقبلية وضع هؤلاء نصب أعينهم هدفاً وحيداً واحداً مستبصرين ومتبصرين وهادفين أنه لا بد من إغلاق هذا الملف وهو الذي أنهك الجميع معنوياً ومادياً.
وقصدوا من وراء ذلك أمرين أساسيين:
الأول: بعد اعتمادهم مرونة التفكير وجدية التفاوض آخذين في في الاعتبار أن الحفاظ على الارواح والممتلكات والحقوق والكرامات، واجب أخلاقي وأدبي وديني ووطني، وذلك أيضاً عند كل فرد ومسؤول مهما علا منصبه أو دوره أو فعاليته أو صفته في مجتمعه أوبيئته أو عشيرته.
الثاني: بمتابعة "ناعمة وهادئة" من كاتب هذه السطور لتحرك المعنيين في هذا الملف، تلمسنا أن المتحركين (المفاوضين) كانوا جديين وهادئين ودقيقيين فيكل خطوة وتحرك واجتماع ولقاء، والتي على ما أعتقد أخذت منهم جهداً جباراً وطويلاً ومضنياً زاد عن بضع شهور من العمل الدؤوب رغم كل التحديات والصعوبات والظروف، وكل ذلك للتوصل إلى اتفاقٍ مدروس وشامل وضامن للجميع.
وحيث أن هؤلاء الجميع، طبعاً تحملوا وصبروا وقدموا تضحيات، وانكبوا على مراجعات وتقييم أو إعادة حسابات، خصوصاً أن نمط الحراك السياسي في البلد، بنظرة وطنية إنسانية وواقعية سياسية، - سليمة ومنطقية- كان له الدور المحوري والفيصلي والمؤثر في ضرورة التوصل إلى محطةٍ مفصلية تختم هذا الملف، وهي المحطة التي تعيد السلام والاستقرار والوئام الاجتماعي إلى ربوع خلدة بكل أطيافها وعشائرها وقاطنيها، وخصوصاً أيضاً أن هذا التفكير يؤشر إلى أن "الصلح" يبقى سيّد الأحكام، وهنا للتذكير بأن هذا هو خطاب قرآني مقدس عند الكل.
وهذا بدوره –الصلح- يشكل الضامن الوحيد لحفظ كل الحدود وكل الحقوق والكرامات لدى الكل.
وبهذا تعود خلدة الى روابي السلام، خلدة التي صبرت وأعطت وتماسكت مدى أكثر من خمس سنوات رغم كل التحديات الهائلة والعديدة.
وهنا، لا بد من أن نشير إلى أن أحد "خبراء الصلح" الحقيقيين عند العشائر وهو من أبرز شيوخ العشائر العربية في لبنان، المرحوم الشيخ أبو غازي مصطفى العويد شيخ عشيرة العجارفة في الشمال اللبناني، يؤكد رحمه الله أن "الصلح في المجتمعات التقليدية لم يكن مجرد إنهاء خلاف بين طرفين، بل كان عملية اجتماعية تهدف إلى إعادة بناء الثقة، وترميم العلاقات، ومنع تحول الخلافات إلى انقسامات طويلة الأمد.
وكل من يقوم بهذا الدور يحتاج إلى صفاتٍ استثنائية: الحكمة، والصبر، والقدرة على الاستماع، والبحث عن العدالة، واحترام كرامة جميع الأطراف".
تأسيساً على روحية كل ما سبق، عقد لقاء الجمعة الماضي في خلدة بين آل شبلي وآل غصن، كان مفعماً بالمسؤولية الوطنية وأدبيات الاسلام الحنيف. وهذا ما ظهر في body language عند كل من حضر وشارك في هذا اللقاء في دار آل شبلي وتبعه لقاء آخر في دار آل غصن.
ولأن النية مصروفة على الخير عند الكل ولأن جدية المفاوضين وحنكتهم تسير بخطى ثابتة ومدروسة وهادئة وصامتة، فإن الأيام القليلة المقبلة، بعد هذا اللقاء الذي شكل مرحلة تحضيرية، سيجري فيها الاعلان بشكل توثيقي ورسمي عن اتفاقٍ نهائي وشامل وبشكل جلي وساطع وواضح وعلني يعيد الحقوق والحرية، كما يعيد تفعيل دورة الحياة الطبيعية والاقتصادية في المنطقة بحيث تناسب الجميع، وذلك عبر اتفاق مكتوب حسب الاصول القانونية والشكلية، برعاية جهات رسمية وروحية وفي طليعتها قيادة جيشنا الوطني ومرجعيات روحية.
ونختم بالقول 10452 تحية الى الذين تفاوضوا طوال شهور مضت وعقدوا اجتماعات كثيفة وعديدة بعيدا من الاضواء معتمدين الصمت والهدوء الاستراتيجي، هؤلاء الذين هم الجندي المجهول في إنهاء هذا الملف.
ولهم نقول: عافاكم الله وحفظكم حيث بالعقلانية وسلامة التفكير أعدتم الحقوق والحرية والسلام والتلاقي والتأخي والوطنية الحقة وتفعيل أنسنة العلاقات في خلدة.
هؤلاء صناع السلام الحقيقيون.
وهكذا حافظنا على خلدة بكل خصوصيتها وهويتها ووطنيتها
وأخيراً خلدة مسقط الرأس، وهي في القلب وعلى الرأس.