طهران لم تتغيّر... واشنطن نعم
في “العقيدة” الشهيرة التي كشفت عنها مقابلات معه كتب خلاصتها الصحافي الأميركي جيفري غولدبيرغ في الـ“أتلانتيك” الأميركية عام 2016، نصح الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما دول الخليج بالذهاب نحو إيران وتقاسم النفوذ معها. كان الرجل يبرر الاتفاق النووي الذي أبرمه مع طهران قبل عام، موحياً بالمكانة التي يحق لإيران أن تتبوأها في الشرق الأوسط. نالت طهران من الأمر اعترافاً صدّقته وآمنت به مسلّمةً نهائية تجيز لها الإعلان لاحقاً عن السيطرة على 4 عواصم عربية.
كان في بال طهران حينها، وربما برضا أميركا الأوبامية، أن يُتاح لإيران هيمنة على المنطقة تحت سقف أميركي. ولا يعدم المراقب الأدلة والبراهين عن تلك الهيمنة التي شقت إيران لها من طهران إلى بيروت “هلالاً” وجعلت لسياسات إيران في عواصم المنطقة القريبة والبعيدة أذرعاً ومريدين وتابعين ومواطن نفوذ. ولئن تتشبث إيران هذه الأيام بأوراقها الرابحة في مضيقي هرمز وباب المندب، وفي استمرار القدرة على تحريك ميليشياتها المتبقية في المنطقة، وفي عنادها النووي، فذلك لأن في ذلك أدوات لتلك الهيمنة التي ارتضتها واشنطن يوماً وتعوّل طهران على إدارة أخرى في البيت الأبيض ترتضيها من جديد.
لا شيء تغير في العقلية الحاكمة في إيران. لا ترتبط تلك العقلية بقادة منهم من رحل ومنهم من قد يرحل، بل بفقه نظام ينهل من 1400 عام من التاريخ ليبشّر بالسطوة على المنطقة غاية سامية تبررها الوسائل مهما كانت قذرة. والغاية في أيديولوجيا النظام ليست مناورة ظرفية، بل هي سرّ بقاء وديمومة وضمان عدم السقوط. وفيما يتسرّب من عواصم المنطقة حرص على تجنّب ذلك السقوط والتموضع للوصل والتآلف والاتفاق مع طهران، فإن في ذلك في طهران سبيلَ تمكّنٍ لا تعترف من خلاله إيران بالقبول بأن تكون دولة عادية على قدم المساواة مع تلك الدول وعواصمها.
أميركا المتغيرة
المشكلة عند طهران تكمن في واشنطن. لم تعد العاصمة الأميركية ما كانت عليه إبان إدارة أوباما. عوّلت على من كان نائبه في تلك الحقبة جو بايدن طوال 4 أعوام من الرئاسة. لكن واشنطن تغيرت. غادرت تلك المرحلة. انقلبت على نفسها وعلى “عقيدة” من وفّر لها اتفاقاً نووياً. راحت في ولاية دونالد ترامب الأولى ثم الحالية تؤكد أن تلك الصفحة قد طُويت إلى غير رجعة.
من يتأمل الخرائط التي تشتغل بها إيران في كل المنطقة، لا سيما في ممرات الخليج والبحر الأحمر بعد فشل سعيها في البحر المتوسط عبر سوريا ولبنان، يسهل عليه استنتاج التوق إلى أن تكون رقماً صعباً في أمن المنطقة وتشكّل خرائطها. ما تغير أن الولايات المتحدة نزعت عنها "بركة" أوباما ولم تعد تقبل بها شريكاً في النفوذ في المنطقة. وفيما يكرر ترامب أن إيران تستجدي اتفاقاً وتقترب منه، فإن طهران ما زالت تتحرى في أي اتفاق اعترافاً أميركياً حتى ترامبياً بأنها ليست كغيرها من دول المنطقة.
خيبة طهران
تستنتج طهران خيبتها. تفقد عواصم النفوذ في المنطقة واحدة بعد أخرى. يمسك ترامب بزمام المبادرة وقد أظهر في الأيام الأخيرة استعداده للذهاب بعيدا في خيارات عسكرية كانت طهران قد اعتبرت أن ضغوط الداخل الأميركي باتت تمنعها. وفيما يلوح تحالف قيد التشكل بين لندن وواشنطن قد يكون له امتدادات أطلسية تحت عنوان “أمن المضيق”، ستضطر إيران إلى إظهار أعراض مرونة من دون أن تكون قادرة على إدراك أن حلم الهيمنة بات وهماً يعود إلى ماض اندثر.