طهران: رسائل مفتوحة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

جواد الساعدي*

حين أخذت الحشود العسكرية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية تتدفق على المنطقة بعد الغزو العراقي للكويت في الثاني من آب/أغسطس عام 1990، استشعر معظم النخب العربية أن الهدف هو تدمير العراق وليس تحرير الكويت فقط.

كانت سلسلة من التحركات والتغيّرات السياسية والاقتصادية حول العراق، تلت الحرب العراقية- الإيرانية وسبقت غزو الكويت، قد خلقت انطباعاً ملموساً بأن ضغطاً متعدد الوجه يُمارَس على بغداد لخفض قوتها العسكرية ووقف برامج التسلح الطموحة التي تسعى إليها، وهو ما رأته تلك النخب "مؤامرة دولية-اِقليمية بقيادة أميركا على العراق".

وعندما بدأ القصف الجوّي في السابع عشر من كانون الأول/يناير عام 1991 أعطت كثافته وطبيعة أهدافه المنتقاة مؤشراً واضحاً على هدف التدمير.

آنذاك، ورغم الحرب العراقية- الإيرانية التي امتدت ثماني سنوات (1980-1988)، كان انبهار تلك النخب بوهج الثورة الإيرانية التي أسقطت الشاه عام 1979، ورفعت شعار "تحرير فلسطين" ومحاربة الإمبريالية، وفي مقدمها أميركا بوصفها "الشيطان الأكبر"، لم يخب بعد. ففي تلك السنوات كان مفكرون وقادة يزورون طهران ويلتقون قياداتها؛ ومنهم مَن التقى مرشد الثورة الإمام الخميني، حتى أن "ماركسيين" كثراً اصطفوا إلى جانب النظام الإيراني، منظّرين لـ"الإسلام الثوري" و"الثورة الإيرانية"، التي "حوّلت الإسلام من بحثٍ في النَفاس والحيْض، إلى طاقةٍ ثورية"!

لم تكن هذه الزيارات واللقاءات تعبيراً عن إيمان طهران بالتنوّع والحرّيات الفكرية، بل كانت مناسبة لتدعو هؤلاء إلى هجر قناعاتهم والالتحاق بالخط الإسلامي؛ فقد دُعي بعض التنظيمات إلى تغيير أسمائها إلى أسماء إسلامية وتبنّي الخط الإسلامي في برامجها، كشرط لتلقّيها الدعم من إيران. ولم يسلم من ذلك حتى رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، الشهيد ياسر عرفات.

في أجواء الحشود العسكرية الكثيفة (33 دولة)، وحِدّة القصف الجوّي "الإمبريالي"، بقيادة "الشيطان الأكبر"، كان من الطبيعي أن تتوجه أنظار تلك النخب إلى طهران وتتطلع إلى موقفها. وعندما أعلنت إيران "حيادها"، وأنها غير معنية بالتدخل، "إلّا إذا تعرضت العتبات المقدسة في العراق لاعتداءات"، أصيبت النخب بالذهول والخيبة من الموقف الإيراني، خصوصاً أنها كانت تتابع الانفراج الذي حصل في العلاقات العراقية- الإيرانية، قبل غزو الكويت بفترة؛ ففي أوائل أيار/مايو عام 1990 تسلم الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني رسالة من الرئيس العراقي صدام حسين يقترح فيها "إجراء مفاوضات ثنائية للخروج من حالة اللاحرب واللاسلم"، فأبدت طهران اهتماماً غير عادي وقال رفسنجاني إنه "تلقّى إشاراتٍ مشجعة على حسن النية من الجانب العراقي"، فأوقف العراق حملاته الإعلامية على إيران، وجرى تبادل الزيارات بين البلدين على مستوياتٍ وزارية.

في سياق الذهول والخيبة، تفجّرت مشاعر رجل الدين الشيعي، المفكر العربي والمجدّد الإسلامي، العلّامة اللبناني الراحل السيد محمد حسن الأمين، الذي كان يومها قاضياً للشرع الجعفري في صيدا، فوجّه في الأول من شباط/فبراير عبر الصحافة رسالة مفتوحة إلى مرشد الثورة علي خامنئي، ارتأينا أن ننشر مقتطفاتٍ منها ليطّلع عليها الرأي العام وتعرفها الأجيال الجديدة التي وقعت ضحية التضليل الإيراني، واشتبكت على مواقع التواصل الاجتماعي في سجالٍ حول الموقف من الحرب الدائرة بين إيران من جهة، واسرائيل وأميركا من جهة أخرى.

نص الرسالة

جاء في الرسالة: "نحنُ في ذهولٍ يا سماحة المرشد، ولا نريد أن نصدّق أن أميركا نجحت (...) أن تعيد الجمهورية الإسلامية إلى صوابها، أي أن تصادر الروح العظيمة لهذه الثورة وتحوّلها إلى مجرّد دولةٍ في المنطقة تبحث عن موقعٍ لها في العصر الأميركي الزاحف... لا نريد أن نصدّق أنها غير معنية بهول ما يجري، وأنها لا تعتبر نفسها وعقيدتها ومبادئها الهدف الأول والأساس لهذا الغزو الاستعماري... لا نريد أن نصدّق أن الجمهورية الإسلامية ستلتزم موقف الحياد في هذه الحرب. أحقاً توجد مساحةٌ للحياد في حرب الشيطان الأكبر على المسلمين أرضاً وشعباً وثروات؟!! وهل حقاً يوجد (حياد) في معركةٍ تكون أميركا المجرمة طرفاً فيها؟ لقد عوّدتنا الثورة الإسلامية أن نقرأ نصوص القرآن في ضوء معايير الصراع بين الحق والباطل، وعلّمتنا أدبياتها أن المسلم لا يعتزل جبهة القتال في سبيل الحق، وإنه إذا فعل، فلا فرقَ بين أن يكون في محراب الصلاة أو على مائدة الخمر. وعلمتنا الثورة أن الوسطية التي قررها النص القرآني الشريف: "وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا"، لا تعني في أي حالٍ من الأحوال الجنوح إلى خانة اللاموقف واللامسؤولية والحياد، بل تعني أن موقع المسلم الطبيعي يكون دائماً في لب الصراع على جبهة الحق والخير والحرّية أمام شرور نفسه وأمام شرور أعدائه. نحنُ في ذهولٍ عظيم وقلقٍ لا يُحتمل أمام آلاف الأطنان من البارود والذخائر والحمم يقذفها شذّاذ الآفاق المجرمون، أعداء الله والإنسانية فوق رؤوس المسلمين الصابرين (...) في العراق الحبيب، وقيادة المسلمين ما زالت تتحصن بالحكمة والرويّة وموقف (الحياد)! بلى، لا نستطيع أن نصدّق -لأن من الفجيعة أن نصدّق- أن الجمهورية الإسلامية ما لم تتعرض المقامات المقدّسة في النجف وكربلاء والكاظمية وسامرّاء، فإنها غير معنية بالرد؛ فمتى علمتنا ثورتكم أن الحجرَ أقدسُ من البشر؟!!

وهل نسيَت الثورة أنها هي التي (ورّطتنا) بالمعرفة أن الكعبة المشرّفة والنجف وكربلاء وسائر الأماكن المقدّسة تستقيل من قداستها ولا تعود سوى مجرد نُصبٍ وأحجارٍ إذا انتُهك الإنسان باسمها؟ وهل نسيَت أن أعظم نظرية أدخلها فكر الثورة الإسلامية إلى وعينا هي: بإمكاننا أن نضع كلمة (الناس) محل كلمة (الله) في كثيرٍ من النصوص من دون أن يتغير معناها، وضربَت مثلًا على ذلك في الآية القرآنية الكريمة "من يقرض الله قرضاً حسناً"، أي من يقرض الناس؟ كلماتٌ كثيرة ومواقف لقادة الثورة والجمهورية الإسلامية تصلنا عبر الأثير لا نريد أن نصدّق صدورها. أتريدوننا أن نقف حائرين نداري خجلنا وحيرتنا وانحباس الغضب في صدورنا أمام من يغمزون من قناة الثورة الإسلامية بقولهم: إن الجمهورية الإسلامية تُؤثر السلامة، وهي تريد أن تجمع بين امتيازين؛ السلامة من المعركة، والاستمرار في الاحتفاظ بموقعها القيادي للمسلمين الأحرار في العالم! لا يخطر في بالنا أنكم تصدّقون بإمكان حصول هذه المعجزة؛ إبقاء السلامة والاحتفاظ بموقع القيادة. لا، هذا ليس من تعليمكم وليس من قماشة فكركم، وهي فِريةٌ لا تمتُّ بصلة للقناعات التي تفجّرَ زلزال ثورتكم على قاعدتها. والله إننا لنعلمُ -وهي من سنن الكون والتاريخ التي علمتها ثورتكم- أنه سيكون مدوّياً انفراط العِقد الإسلامي من حول إيران إذا قُدّر لهذا الغزو (...) أن يبلغ أهدافه دون دخولكم المعركة، وستكون عزلة إيران موحشة وموجعة حين يستفردها الشيطان الأكبر، وسيأتي انتقامه بحجم حقده على شعاراتها العظيمة وجماهيرها العظيمة التي طعنت صدره ذات يوم وهددت فعلًا بخروجه وخروج مصالحه من المنطقة، وإلى الأبد.

يا سماحة المرشد القائد، إن هذه الكلمات يتوجه بها إليكم رجلٌ مسلم لم يكن محايداً في حرب العراق ضدّكم، بل كان معكم لأنه يعلم أنها ليست حرب قومه العرب -الذين يحبهم- ضدّ أقوامٍ آخرين أعداء لهم (...) فكان بالطبع منحازاً ضد قومه العرب، وإلى جانب الثورة الإسلامية (...) مترجماً انحيازه فكراً وعاطفةً، وسلوكاً على كل صعيد. وها هو اليوم إذ يفضي لكم بمشاعره، فإنه لا يفعل ذلك من باب انحيازه إلى قومه العرب، بل يقيناً منه أن قومه هذه المرّة على حق.

إني إذ أتوجه اليكم بوصفكم الموقع القيادي الأعلى للثورة والجمهورية، فلا أعتقد أنني أعبّر عن مشاعري الشخصية، بل هي مشاعر الملايين الذين حملوا وهج الثورة في صدورهم، وهم الآن يتحسسون هذا الوهج فيُغرقهم الذهول ويكاد الشك يفترس اليقين الذي عَمَّرت به صدورهم غير مصدّقين أنكم خارج معركة المصير ولستم في الموقع المتقدّم منها".

خلال الحرب الحالية، رأينا العكس، فقد وجّه علي لاريجاني رسالةً مفتوحة "إلى المسلمين والدول الإسلامية" بث فيها الشكوى من عدم وقوف أي دولة إسلامية إلى جانب إيران، وتساءل: "أيُّ إسلامٍ هذا؟"، معبراً عن "عزلة إيران الموحشة والموجعة"، كما استشرفها السيد الأمين قبل ستة وعشرين عاماً.

بعد زوال غبار الحرب عام 1991 تبين أن إيران لم تكن "محايدة". باحثون في الشأن الإيراني يرجّحون أن طهران وواشنطن أجرتا اتصالات أمنية سرية أثناء الحرب، ويذهب بعضهم إلى التأكيد أن إيران سمحت للطائرات الأميركية باستخدام مجالها الجوي. فضلاً عن أنَّ طهران خانت الأمانة واستولت على الطائرات التي أستودعها العراق عندها، ثمّ واصلت سياستها الانتهازية وسهّلت احتلال أفغانستان والعراق، بينما تلقي اللوم على جيرانها بسبب القواعد الأميركية، فصار حقاً أن نتساءل: أيُّ إسلامٍ هذا؟

 

*كاتب عراقي

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية