طريق الهجرة عبر سبتة.. شباب مغربي يواجه شبح الموت وموجة من العنصرية والعنف
لم يكن الشباب المغاربة وهم يقطعون المسافات الطوال من مختلف المدن والقرى المغربية إلى الفنيدق، للعبور إلى مدينة سبتة المحتلة، يتصورون لوهلة أن تكون طريقهم محفوفة بكل تلك المخاطر التي اعترضتهم، والتي هددت حقهم في الحياة منذ الخطوة الأولى.
فبدءا من الطرق الخطيرة التي تنقلوا بها إلى باب سبتة، مرورا بالعنف الذي واجهوه من طرف القوات العمومية، ومخاطر الغرق، وصولا إلى ما اعترضهم داخل الثغر المحتل من عنف وتجويع ومحاولات قتل، وجد المهاجرون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الموت، وسقط العشرات منهم صرعى في هذه المواجهة، التي دخلوها عُزّلا سوى من أحلام بمستقبل أفضل.
مخاطر وانتهاك للحقوق
على الطريق ما بين مساكنهم وباب سبتة، واجه الشباب الحالمون أصنافا من المخاطر والانتهاكات، حيث اضطرت أفواج منهم إلى قطع مسافات طويلة على الأقدام في عز الحر، وتشبث آخرون بالسيارات والشاحنات، وتكدسوا داخلها. ومُنعوا في مرحلة أخرى من دخول المحطات، وصودر حقهم في التنقل، وجرى توقيف الكثير منهم واقتيادهم إلى المخافر، وواجهوا جشع “فراقشية النقل” الذين ضاعفوا أسعار التذاكر.
وبعد الوصول إلى الفنيدق، بدأت رحلة حقيقية من المعاناة؛ ففي البرّ، قوبل آلاف الشباب بالقوة لصدهم، وسرعان ما تطور الوضع إلى مواجهات، وخرجت الأوضاع عن السيطرة، ورصدت الكاميرات مشاهد تعنيف لشباب راغبين في الهجرة، كان أكثرها قساوة، مشهد رمي عنصر من القوات المساعدة أحد الشباب بصخرات كبيرة، في واقعة أثارت مطالب بالمحاسبة، لكون الفعل يرقى إلى محاولة قتل.
كما أسفرت المواجهات التي شهدتها النقطة الحدودية عن سقوط مصابين، إلى جانب توقيف آخرين، وتكديس العشرات من الشباب في حافلات واقتيادهم إلى مدن بعيدة وسط المغرب، بعيدا عن محلات سكناهم، في سلوك ما انفك يثير استنكارا حقوقيا ومجتمعيا واسعا.
وفي البحر، كان خطر الغرق كافيا ليهزم العشرات من المواطنين، الذين لقوا مصرعهم تحت الماء، وقد وصل عدد الجثث المنتشلة في مدينة سبتة إلى72 جثة حسب الأرقام الرسمية الصادرة عن السلطات المحلية هناك إلى غاية زوال يومه الأحد، إلى جانب أنباء عن جثث أخرى موجودة في مستودعات الأموات بمستشفيات الشمال.
ويروي ناجون من الغرق، كيف أنهم شاهدوا أشخاصا لا يجيدون السباحة يلفظون أنفاسهم داخل الماء، ويحكي آخرون أنهم كانوا يصطدمون بجثث خلال سباحتهم إلى الثغر المحتلة، كما أن الاكتظاظ والتدافع ساهم في رفع أعداد الغرقى.
وإلى حدود الساعة لا تزال مئات الأسر المغربية تترقب أي أخبار عن أبنائها الذين شاركوا في محاولات الهجرة الجماعية، حيث تطول قوائم المختفين ومجهولي المصير، وسط مطالب حقوقية بصون الحق في الحياة والتحقيق والكشف عن مصير المفقودين، وتمكين العائلات من حقها في معرفة مصير أبنائها.
تجويع وموجة من العنصرية والعنف
على عكس ما كان يأمله المهاجرون، لم يكن الوصول إلى سبتة نهاية العذاب، بل كان امتدادا واستمرارا لما عاشوه خلال الساعات السابقة، إذ وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع مجموعات متطرفة، مسلحة بالهراوات، كانت تنهال على أي مهاجر رصدته بالضرب والركل والرفس.
وعرفت مدينة سبتة المحتلة على إثر توافد المهاجرين انتشارا واسعا لخطاب العنصرية، ودعوات الكراهية، عكستها مواقع التواصل الاجتماعي، ونقلتها المشاهد القادمة من هناك.
وأظهرت عشرات المقاطع المصورة، تنظيم احتجاجات عرفت رفع شعارات عنصرية، إضافة إلى تكوين مجموعات مشحونة بخطابات وفكر التطرف، تترصد المهاجرين وتنهال عليهم بالضرب والرفس والسب، مع مطالبتهم بالعودة إلى ديارهم بألفاظ عنصرية وتحقيرية.
وحكى عدد من الشباب الذين عادوا إلى الفنيدق، جانبا من الصعوبات والانتهاكات التي تعرضوا لها بسبتة؛ حيث أُغلقت المحالات، وتم منع الطعام والشراب عنهم، ونهي أي كان عن مساعدة الوافدين، وتعرض الكثير من المغاربة لإصابات بسبب العنف.
وعلى إثر مشاهد العنف وخطابات الكراهية، نددت هيئات حقوقية مغربية بما تعرض له المهاجرون، وطالبت السلطات الإسبانية بفتح تحقيق في وقائع التعنيف والاعتداء، مستنكرة التحريض والدعوة للعنف.
كما خلف العنف في مواجهة المهاجرين استنكار هيئات حقوقية إسبانية، رفضت الخطاب العنصري المثير للذعر الذي يقدم الهجرة على أنها تهديد للأمن القومي، معتبرة أن الهجرة حق، مع رفض إضفاء الطابع العسكري على الحدود، وتحويل سياسات الهجرة إلى سياسات للموت.
ونددت بخطاب العنصرية الذي يجرد المهاجرين من إنسانيتهم، وأكدت أن الوفيات والاختفاءات والاعتقالات والعودة والطرد والانتشار العسكري والاضطهاد والهجمات ضد المهاجرين، جزء من سياسة عسكرة الحدود.
ولم يسلم المهاجرون أيضا من عنف القوات الأمنية في سبتة، إلى جانب تعرضهم للتضييق والملاحقة، فضلا عن غياب المساعدة، والمبيت في العراء، وعدم توفير أبسط الحقوق، بما في ذلك داخل مراكز الإيواء التي فاضت بالقاصرين والشباب بعدما تجاوزت طاقتها الاستيعابية بأضعاف. وهو الوضع الذي دفع الآلاف ممن تمكنوا من دخول الثغر، إلى مغادرته طوعا.