ضغوط متزايدة تهدد التنوع البيولوجي بالمغرب.. و75% من أصناف الحبوب المحلية “فُقدت”
أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن المغرب يصنف ضمن المجالات العالمية المهمة للتنوع البيولوجي، خاصة على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط والقارة الإفريقية؛ بالنظر إلى ما يزخر به من تباين مناخي قاري ورطب، وجاف وشبه جاف، وبالنظر أيضا إلى تعدد نظمه البيئية التي تشمل الغابات، والجبال، والواحات، والمناطق الرطبة، والمجالات السهبية، والسواحل، والأوساط البحرية.
وقال رئيس المجلس، عبد القادر اعمارة، خلال تقديمه مخرجات رأي المجلس حول “التنوع البيولوجي في المغرب” في ندوة صحفية اليوم الأربعاء بالرباط: “إن هذه المكونات الطبيعية تمثل مقومات حيوية لمنظومة متكاملة تؤدي أدوارا أساسية في ضمان الأمن الغذائي والمائي، وتنظيم المناخ، وتعزيز صمود المجالات الترابية في مواجهة مختلف التقلبات البيئية”، مبرزاً ما توفره من شروط الاستدامة للأنشطة الفلاحية، والغابوية، والبحرية، والسياحية، مما يشكل عاملا أساسيا في تحقيق التوازن بين المجالات الترابية وتقليص الفوارق بينها.
ونبّه اعمارة إلى ما بات يواجه التنوع البيولوجي في المغرب، والرصيد الطبيعي عموما، من ضغوط متزايدة ومركبة؛ بفعل تراجع الموارد الطبيعية نتيجة التوسع العمراني، والاستغلال المفرط للموارد، والتلوث، وانتشار الأنواع الغازية الدخيلة، وتداعيات التغير المناخي، مشيرا إلى أن هذه الضغوط تتراكم آثارها لتؤدي إلى تدهور متسارع للتربة، وارتفاع حدة الإجهاد المائي، وإضعاف النظم البيئية الفلاحية، والغابوية، والرعوية، والبحرية، ونظم الواحات.
وأوضح أن هذا الرأي يستهدف رصد العوامل البنيوية التي تسهم في تدهور التنوع البيولوجي على المستوى الوطني، واستجلاء آثارها في قدرة المجالات الترابية على الصمود، مع التوقف عند الاختلالات الأساسية التي تحد من حمايته، واستعادته، وتثمينه بشكل مستدام. واعتبر أنه رغم التقدم الذي حققه المغرب على مستوى الاستراتيجيات الوطنية ومخططاته القطاعية المتعلقة أساسا بالبيئة ومجالات التنمية المستدامة والتنوع البيولوجي، فإن عددا من أوجه القصور لا يزال مستمرا، خاصة فيما يتعلق بحماية التنوع البيولوجي وتثمينه واستعادته.
وحذر اعمارة من التراجع الملموس في التنوع البيولوجي الزراعي نتيجة ضعف تنويع أنماط الإنتاج، واعتماد طرق زراعية موحدة، وتزايد الضغط على الأراضي؛ حيث تشير التقديرات إلى فقدان ما يقارب 75 في المائة من الأصناف المحلية للحبوب خلال العقود الأخيرة.
ودق ناقوس الخطر أيضا من الاستغلال المفرط للمخزونات السمكية التي تصل إلى مستويات تقترب من عتبة الاستدامة أو تتجاوزها، في وقت لا يزال فيه جزء كبير من الإمكانيات البيولوجية البحرية غير مُستثمر، مشددا على أن حكامة التنوع البيولوجي لا تزال مجزأة وتحتكم إلى التدبير القطاعي الصرف، مما يحد من إدماجها العرضاني داخل مختلف السياسات العمومية، كما يظل التنسيق بين القطاعات المعنية دون مستوى التحديات، في ظل ضعف الالتقائية بين السياسات الفلاحية، والمائية، والبيئية، والترابية، والمالية.
وانطلاقا من هذا التشخيص، اعتبر المجلس أن التنوع البيولوجي ينبغي أن يُكرس كرافعة مهيكلة للسيادة الوطنية ولنموذج التنمية في المغرب، وذلك في ارتباط وثيق بقضايا الماء، والطاقة، والسيادة الغذائية، والتكيف مع التغيرات المناخية، فضلاً عن اعتباره رأسمالا طبيعيا استراتيجيا، وإدماجه ضمن السياسات العمومية؛ بما يعزز صمود المجالات الترابية، ويدعم التنمية المستدامة، ويسهم في إحداث فرص الشغل، خاصة في المجالات الترابية الأكثر هشاشة، وفي سلاسل الاقتصادين الأخضر والأزرق، وفي السياحة الإيكولوجية.
وأوصى المجلس باعتماد إطار تشريعي عبر “قانون إطار” خاص بالتنوع البيولوجي، من أجل توطيد المنظومة القانونية والاستراتيجية الحالية، بما يكرس خطة العمل الخاصة بالتنوع البيولوجي كمرجع أساسي للفعل العمومي، وضمان التقائية السياسات القطاعية والمخططات والبرامج مع أهدافها وغاياتها ومؤشراتها، وتعزيز الحكامة الوطنية للتنوع البيولوجي من خلال آليات مندمجة للقيادة والتتبع وتقييم الرأسمال الطبيعي، وتوطيد التنسيق بين مختلف القطاعات المعنية.
ودعا إلى الارتقاء بالوضع القانوني الحالي للجنة الوطنية للتغير المناخي والتنوع البيولوجي، وجعلها مباشرة تحت إشراف رئيس الحكومة كهيئة للقيادة الاستراتيجية والتحكيم الفعلي بين القطاعات، وضمان انسجام السياسات العمومية مع الالتزامات الوطنية والدولية للمغرب في مجالات التعدد البيولوجي والمناخ.