ضعف "العمل عن بعد" يثير تساؤلات المغاربة حول جاهزية سوق الشغل
أفاد تقريرٌ حديث للمندوبية السامية للتخطيط بأن 6.8% فقط من النشطين المشتغلين في المغرب (البالغين 15 سنة فأكثر) صرّحوا خلال الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 بأنهم لا يتنقلون يوميا إلى أماكن عملهم، إما لأنهم يزاولون مهنهم من محل سكناهم، أو في إطار العمل عن بُعد، أو من خلال أنشطة تُمارس داخل محل الإقامة.
وعزا محللون اقتصاديون ضعف تبني العمل عن بعد في المغرب، الذي تكشفه الأرقام سالفة الذكر، إلى عوامل متداخلة، من بينها غياب تأطير قانوني لهذا النمط من الشغل، وسيادة ثقافة تقليدية لدى نسبة مهمة من الشركات المغربية ترى في هذا النظام مانعا لمراقبة الأجراء.
غياب التقنين
رشيد ساري، رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، نبّه إلى أن “المغرب يعيش إلى حدود الساعة إكراه غياب إطار قانوني ينظم العمل عن بعد، خصوصا أن مدونة الشغل لم تتغير منذ أكثر من 21 سنة”، باستثناء التعديل الذي أقره البرلمان مؤخرا القاضي بإخضاع حراس الأمن الخاص لمدة العمل العادية (8 ساعات في اليوم).
وأوضح ساري، في تصريح لهسبريس، أن “نظام التشغيل في المغرب ما يزال تقليديا بحتا”، مشيرا إلى أن “المقارنة تثبت أن الشركات الدولية متعددة الجنسيات هي التي تعتبر منظمة ومؤطرة بشكل محكم في ما يتعلق بالعمل عن بعد، بينما غالبية الشركات الكبرى تعتبر هذا النظام مضيعة للوقت ولا يسمح بمراقبة الأجراء”.
كما أشار إلى أن “مجموعة من المقاولات المغربية لا تتوفر بعد على أنظمة معلوماتية تمكن من الدخول إلى المنصات المحاسباتية وعموم المنصات الخاصة بالشركة عن بُعد”.
وشدد على أن اعتماد العمل عن بعد، في هذا السياق، “ليس مسألة بسيطة؛ إذ يتطلب إمكانيات في مقدمتها الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة”، مشيرا أيضا إلى ضرورة تحديث الإطار القانوني.
وأكد أهمية الانتقال إلى نمط العمل عن بعد “للتخفيف من استهلاك الطاقة الملوثة للبيئة، وتخفيض مصاريف التنقل، خاصة في المدن الكبرى، على الموظفين والأجراء”.
وأضاف أن من بين الحلول الممكن اعتمادها، المزاوجة بين النظامين (الحضوري وعن بعد)، مشيرا إلى “تبني الشركات متعددة الجنسيات، على وجه الخصوص، تخصيص يومين للعمل عن بعد”.
اقتصاد المراقبة
أمين سامي، خبير ومستشار دولي في التخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير، قال من جهته إن “ضعف العمل المنزلي أو العمل عن بعد في المغرب يبرز أن الاقتصاد المغربي ما زال اقتصاد حضور ومراقبة مادية أكثر من اقتصاد نتائج وثقة رقمية”.
وأضاف سامي، في تصريح لهسبريس، أن “رقم 6.8 في المائة الذي أوردته المندوبية السامية للتخطيط لا يعكس فقط العمل عن بعد، بل يخلط بين العمل داخل السكن والأنشطة المنزلية، وبعض المهن القروية والعائلية”.
وعن أسباب “ضعف تبني العمل عن بعد في المغرب”، ذكر سامي “بنية الاقتصاد المغربي نفسها؛ فجزء كبير من الشغل مرتبط بالحضور الجسدي، وهو ما ينطبق في قطاعات التجارة، الصناعة، الفلاحة، البناء، الخدمات المباشرة، الأمن، التعليم، الصحة، الإدارة الترابية”، معتبرا أنه “لا يمكن تحويل اقتصاد قائم على ‘اليد والعين والموقع’ إلى اقتصاد عن بعد بقرار إداري”.
ونبه كذلك إلى “ثقافة التدبير داخل المؤسسات”، موضحا أن “كثيرا من الإدارات والشركات ما زالت تقيس العمل بعدد ساعات الحضور، لا بالنتائج”، مبرزا أن “المدير يريد رؤية الموظف أمامه، كأن الإنتاجية تحتاج بطاقة حضور لا لوحة قيادة”.
ولفت إلى “تأثير غياب إطار قانوني وتنظيمي مكتمل”، خاصة أن “العمل عن بعد يحتاج قواعد حول ساعات العمل، والتعويض، والحوادث المهنية، وحماية المعطيات، والأمن السيبراني، والحق في الانفصال، وتقييم الأداء”.
وذكر المتحدث ذاته “ضعف رقمنة المساطر؛ إذ لا يمكن للموظف أن يشتغل عن بعد إذا كان الملف الورقي، والتوقيع اليدوي، والختم، والحضور إلى المكتب ما زالت هي قلب العملية الإدارية”.
وخلص سامي بدوره إلى اعتبار أن “المستقبل لا يتجه إلى عمل ‘كل الناس عن بعد’، بل إلى نموذج هجين ذكي: يومان من العمل عن بعد للمهن القابلة للرقمنة، مراكز عمل قرب السكن في المدن المتوسطة، رقمنة المساطر، قياس الأداء بالنتائج، وتحويل العمل عن بعد من امتياز إداري إلى أداة إنتاجية وعدالة مجالية”.
The post ضعف "العمل عن بعد" يثير تساؤلات المغاربة حول جاهزية سوق الشغل appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.