ضحكة بونو و"مشطة التازي"

في بعض اللّقطات، لا يحتاجُ الوطن إلى نشيدٍ كيْ يحضر. تكفي ضحكة واحدة، ومشطة صغيرة، ويدٌ تسرّح شعراً عابراً فوق مقعد طائرة، حتى تنهض ذاكرة يقظةٌ من الجيوب والبيوت والدكاكين ومرايا الصباح. هكذا ظهر ياسين بونو وسط لاعبي المنتخب المغربي في رحلتهم نحو الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في كأس العالم: لا كحارس مرمى يستعدُّ لمواجهة المهاجمين، ولا كنجم يراقب عدسات الهواتف، وإنما مثل طفلٍ صافٍ، خفيف الظل، يمشط شعره ببهجة منْ وجد لُعبته القديمة في حقيبة سفر.

كانت الطائرة تمضي في علوِّها، واللاعبون يوزّعون الوقت بين النوم والضحك والحديث الخافت. في ذلك الجو، حيث تتشابه المقاعد وتتوحد الحقائب وتختلط رائحة القهوة بصوت المحركات، خطف بونو المشهد كله بحركة بسيطة. أخرج “مشطة التازي”، تلك القطعة الصغيرة التي تعرف طريقها إلى جيوب المغاربة أكثر مما تعرف كثير من الأشياء طريقها إلى المتاحف، ومرَّرها فوق شعره كمن يوقّع على ميثاق مَرح لا يحتاجُ إلى شهود.

لم تكن الحركة كبيرة. لم يرفع بونو كأساً، ولم يصدَّ ركلة جزاء، ولم يطلق تصريحاً نارياً. اكتفى بأن يمسك المشطة بين أصابعه، وأن يمنح شعره تلك العناية المغربية السريعة التي تبدأ من الجبهة وتنتهي عند الثّقة. مرّرها مرة أولى، فاستقام الشَّعر قليلاً. مرّرها مرة ثانية، فاستقام معه المزاج العام. مرّرها مرة ثالثة، فصار وجهه كلّه يضحك قبل فمه. وفي تلك اللحظة، بدا كأن الطائرة لم تعد تحمل منتخباً نحو المونديال، وإنما تحمل حيّاً مغربياً صغيراً بكل تفاصيله: النكتة، الرفقة، الأناقة المرتجلة، والقدرة العجيبة على تحويل أي شيء عادي إلى مشهد يستحق التداول.

حين مشّط بُونو شعره

ضحكة بونو في اللقطة أدت دورها كاملاً. لا تشبه ضحكة مصطنعة أمام الكاميرا، ولا ضحكة نجم يعرف أن الجمهور يراقبه. إنها ضحكة من يعرف أنه فعل شيئاً بسيطاً، ثم اكتشف أن البساطة نفسها تملك قوة كوميدية لا تقاوم. ضحكته تقول: نعم، أنا حارس المنتخب، وأنا أيضاً ابن الشارع المغربي الذي يعرف أن المشطة الصغيرة تستطيع أن تنقذ هِنْدامك قبل نزُولك من الطائرة، وقبل لقاء الناس، وقبل دخول التاريخ من باب واسع. ولعل أطرف ما في اللقطة أن مشطة التازي لم تظهر كإكسسوار غريب. ظهرت في مكانها الطبيعي. كأنها عضو رسمي في البعثة. لو أعدّ أحدهم قائمة المسافرين لكتبَ: اللاّعبون، الطاقم التّقني، الأمتعة، جوَازات السّفر، و”مشطة التازي”. فهذه المشطة لا تسافر في الحقيبة فقط، إنها تسافر في الذاكرة. تدخل الطائرة كما دخلت من قبل جيوب التلاميذ، وحقائب العمال، ودرج الحلاق، وعُلب الخياطة، وسيارات الأجرة، وخزانة الأب الذي لا يخرج من البيت قبل أن يمررِّها على شعره بوقار عسكري.

تملك هذه المشطة الشعبية تاريخاً طريفاً بقدر ما تملك حضوراً عنيداً. عرفها المغاربة منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، حين قدّم عبد العزيز التازي هذا المشط الصغير إلى السوق المغربية. لم يقدمه بوصفه ترفا، وإنما باعتباره شيء عمليا، خفيفا، قريبا من اليد، مناسبا للجيب، وصالحا لكل صباح مستعجل. ومع مرور السنوات، خرجت المشطة من حدود الاستعمال اليومي ودخلت منطقة الرَّمز. صار اسمها يحيل على بساطة مغربية نادرة: شيء صغير، رخيص، صلب، لا يتظاهر بالفخامة، ويؤدي مهمته في صمت.

أناقة شعبية فوق الغُيوم

تبدو “مشطة التازي” في ظاهرها قطعة عادية من البلاستيك. غير أن سِرّها يكمن في هذه العادية نفسها. حجمها يسمح لها أن تختفي في الجيب من غير أن تزعج صاحبه. أسنانها الدقيقة تمنح الشعر نظاماً سريعاً من غير طقوس طويلة. طرفها يميل إلى الصلابة التي عرفها المغاربة في الأشياء القديمة: لا تنكسر بسهولة، لا تطلب عناية خاصة، ولا تحتاج إلى غلاف مخملي كي تثبت قيمتها. ومن هنا جاءت مكانتها؛ فهي لا تنتمي إلى عالم الزينة الفاخرة، وإنما إلى عالم النفع الذكي، عالم الأشياء التي ترافق الناس لأنها تفهم حاجتهم الحقيقية. وفي التفاصيل الصغيرة تكمن طرافة هذه المشطة. لها صوت خفيف حين تخرج من الجيب، ذلك الاحتكاك الجاف الذي يعرفه كل من لمسها في طفولته. لها طريقة خاصة في المرور على الشعر، كأنها تعقد مصالحة فورية بين الفوضى والهيبة. ولها سلطة مضحكة على الرجال المغاربة خصوصاً؛ فبمجرد أن تظهر، يبدأ الرأس في البحث عن مرآة، أو زجاج نافذة، أو شاشة هاتف، أو أي سطح يعكس نصف وجه يكفي لاتخاذ قرار مصيري: هل استقام الشعر أم يحتاج إلى جولة أخرى؟

ولهذا بدَت لقطة بونو طريفَة إلى هذا الحدِّ. فقد جمعت بين أعلى ما في الرياضة من احتراف، وأقرب ما في الحياة المغربية من عفوية. الحارس الذي ينتظر منه المغاربة أن يحمي الشباك ظهر وهو يحمي ترتيبَ شعره. الرجل الذي يصدُّ الكُرات الصَّعبة استسلم أمام خصلة صغيرة تحتاج إلى تهذيب. النجم العالمي الذي يعرف ملاعب أوروبا وآسيا وأمريكا حمل في يده أداة يعرفها كل دُكان مغربي. ومن تلك المفارقة اللَّذيذة، وُلدت الضّحكة.

تفصيل صغير صنع لقطة كبيرة

تمنح اللقطة أيضاً درساً صغيراً في معنى الهوية. لا تحتاج الهوية دائماً إلى خطاب طويل. أحياناً تمرُّ عبر مشطة جيب، عبر حركة يد، عبر ابتسامة لاعب داخل طائرة، عبر شيء شعبي يرافق جيلاً بعد جيل من غير صخبٍ. وما أجمل أن يظهر لاعب عالمي مثل بونو بهذا القرب من التفاصيل اليومية، لأن المشهد يردّ النجومية إلى أصلها الإنساني: الإنسان الذي يضحك، يمازح، يصلح شعره، ويحمل معه شيئاً من بلده أينما ذهب. ولأن بونو يعرف، بفطرته المرحة، كيف يجعل اللقطة تنطق، فقد منح المشطة دور البطولة من غير إعلان مُسبق. لم يقل شيئاً، ومع ذلك قال كل شيء. قال إن المغربي يستطيع أن يسافر إلى كأس العالم ومعه قطعة من الحي الشعبي. يستطيع أن يضع القفازات في الحقيبة، وأن يضع بجانبها “مشطة تازي”؛ يستطيع أن يدخل أجواء المنافسة الكبرى من باب الخِفة، لأن الثقة لا تعني الجدّية الثقيلة دائماً؛ أحياناً تبدأ الثِّقة من ضحكة، ومن شعر مُرتب، ومن مشطة صغيرة تعرف طريقها بين الأصابع.

هكذا تحوَّلت اللقطة إلى مشهد مغربي بديع: طائرة في السماء، مُنتخب في طريقه إلى الحُلم، حارسٌ يضحك، ومشطة شعبية تؤدي واجبها الوطني في صَمت. لم تحتج اللحظة إلى إخراج مُعقد؛ ذلك أنها صنعت نفسها بنفسها، كما تصنع أجمل اللقطات طريقها إلى القلوب: صدفة، خفة، وصدق. وفي النهاية، لم يمشط بونو شعره وحده؛ مشّط شيئاً من الذاكرة المغربية، فأعاد ترتيب ابتسامة جماعية كانت تنتظر سبباً صغيراً كي تنطلق.

من طرافة اللحظة إلى جدّية الحُلم

وحين يصل المنتخب إلى ملاعب كأس العالم، سيقف بونو أمام المرمى بتركيزه المعروف، وستكبر المسافة بين مزاح الطائرة وجدّية العشب. غير أن تلك المشطة ستظل في خلفية المشهد، مثل تعويذة مغربية صغيرة تقول إن الطريق إلى الحُلم لا يحتاج إلى صرامة قدرَ احْتياجهِ إلى ضحكة، وإلى شيء من الدّار، وإلى “مشطة تازي” تذكرنا أن أجمل الأبْطال هُم الذين يحمِلُون معهم قطعة صغيرة من بَسَاطة النَّاس.

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

The post ضحكة بونو و"مشطة التازي" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress