"صولة الفجر"... هل ينجح العراق في كسر منظومة الفساد؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

تشهد الساحة العراقية إحدى أوسع حملات مكافحة الفساد منذ سنوات، بعد إطلاق السلطات حملة "صولة الفجر" التي طاولت مسؤولين حاليين وسابقين، وأعضاء في مجلس النواب، وشخصياتٍ سياسية بارزة، وسط تأكيدٍ حكومي بأن الإجراءات تستند إلى أوامر قضائية وتحقيقات مكتملة، في حين يترقب الشارع العراقي ما إذا كانت الحملة ستفضي إلى محاسبة فعلية واسترداد الأموال المنهوبة، أم أنها ستنتهي كما انتهت حملات سابقة عند حدود التوازنات السياسية.

وفي ظل اتساع دائرة التحقيقات، تبرز مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي تحدد مستقبل الحملة ومدى قدرتها على إحداث تحولٍ حقيقي في ملف مكافحة الفساد.

 

مضبوطات من الذهب في العراق (رويترز)


هل تمثل "صولة الفجر" تحولاً حقيقياً في مكافحة الفساد؟

تؤكد الحكومة أن الحملة ليست إجراءً إعلامياً أو سياسياً، وإنما مسار قانوني يستند إلى قرارات القضاء والأدلة التحقيقية، مشددة على أن القانون سيطبق على جميع المتهمين من دون استثناء، بغض النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم السياسية.

لكن مراقبين يرون أن معيار النجاح لن يكون بعدد أوامر القبض أو حجم التغطية الإعلامية، بل بقدرة الدولة على استكمال التحقيقات حتى صدور أحكامٍ قضائية باتة، وتنفيذها، واسترداد الأموال العامة، وتفكيك شبكات الفساد التي ترسخت داخل مؤسسات الدولة خلال سنوات طويلة.

 

إلى أي مدى يمكن أن تصل التحقيقات؟

 

يعد هذا السؤال من أكثر القضايا إثارة للنقاش داخل الأوساط السياسية.

فمع اتساع قائمة المطلوبين، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت التحقيقات ستشمل جميع المتورطين الذين تثبت بحقهم الأدلة، أم أنها ستتوقف عند شخصيات فقدت نفوذها السياسي، فيما تبقى الشخصيات الأكثر تأثيراً خارج دائرة المساءلة.

كما يواجه مسار الحملة اختباراً يتعلق بقدرة الحكومة على الاستمرار إذا اصطدمت التحقيقات بمصالح قوى سياسية تمتلك نفوذاً داخل مؤسسات الدولة.

 

ماذا عن الأموال العامة والأصول المصادرة؟

بالتزامن مع الاعتقالات، أعلنت الجهات الرسمية ضبط مبالغ مالية وأصول وعقارات وشركات ضمن عدد من ملفات الفساد، إلا أن مراقبين يرون أن السؤال الأهم يتمثل في حجم الأموال التي ستتمكن الدولة من استعادتها فعلياً.

ويشير مختصون إلى أن استرداد الأموال المنهوبة يحتاج إلى إجراءات مالية وقضائية معقدة، خصوصاً إذا كانت الأموال قد نقلت إلى الخارج أو سجلت بأسماء شركات وأشخاص آخرين، وهو ما يجعل نجاح الحملة مرتبطاً أيضاً بفاعلية التعاون القضائي والمالي داخلياً وخارجياً.

 

هل يحمل توقيت الحملة دلالاتٍ سياسية؟

يتزامن إطلاق "صولة الفجر" مع حراك سياسي وديبلوماسي تشهده بغداد، الأمر الذي دفع بعض القوى إلى الربط بين الحملة والمتغيرات السياسية الداخلية والخارجية.

في المقابل، تنفي الحكومة وجود أي دوافع سياسية، مؤكدةً أن جميع الإجراءات جاءت نتيجة تحقيقات مستمرة، وأن توقيت تنفيذها تحدده الجهات القضائية وليس الحسابات السياسية.

ويبقى الجدل قائماً بشأن ما إذا كانت الحملة تمثل تحولاً استراتيجياً في إدارة ملف الفساد، أم أنها تتأثر أيضاً بتوازنات المشهد السياسي.

 

ما أبرز التحديات التي تواجه الحملة؟

يرى مختصون أن نجاح الحملة لا يتوقف على إصدار مذكرات القبض فقط، وإنما يعتمد على عوامل عدة، أبرزها:

• حماية استقلال القضاء.
• منع التدخلات السياسية في التحقيقات.
• استكمال الإجراءات القانونية بحق جميع المتهمين.
• استرداد الأموال والأصول العامة.
• ضمان الشفافية في إعلان نتائج التحقيقات.
• ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.

وتظهر التجارب السابقة أن العديد من حملات مكافحة الفساد بدأت بزخم إعلامي كبير، لكنها انتهت من دون نتائج تتناسب مع حجم التوقعات الشعبية.

 

مجموعة من المضبوطات في العراق (وكالة الأنباء العراقية)


 

ماذا يقول البرلمان؟

يقول عضو لجنة النزاهة في مجلس النواب العراقي، طه الدفاعي، لـ"النهار"، إن "حملة "صولة الفجر" تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على فرض سيادة القانون بعيداً من الاعتبارات السياسية"، مؤكداً أن "البرلمان يتابع مجريات التحقيقات، وأن لجنة النزاهة تدعم كل إجراء قانوني يستند إلى الأدلة والقرارات القضائية، ويستهدف مكافحة الفساد من دون انتقائية".

وأضاف أن "الرأي العام ينتظر نتائج عملية تتجاوز الإعلان عن الاعتقالات، لتشمل كشف شبكات الفساد، وتتبع حركة الأموال، واستعادة الأصول والعقارات والأموال العامة التي يثبت الاستيلاء عليها بطرق غير مشروعة"، مشيراً إلى أن "تحقيق هذه الأهداف سيعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة".

وأكد أن "مكافحة الفساد مسؤولية وطنية مشتركة بين السلطتين التنفيذية والقضائية، إلى جانب الدور الرقابي للبرلمان"، موضحاً أن "المرحلة المقبلة ستكون حاسمةً في تحديد ما إذا كانت الحملة ستقود إلى محاسبة جميع المتورطين واسترداد الأموال العامة وتعزيز منظومة النزاهة والشفافية".

 

من شملتهم الإجراءات القضائية؟

خلال الأيام الماضية، توسعت التحقيقات لتشمل مسؤولين حاليين وسابقين، ومستشارين حكوميين، ومحافظين سابقين، وأعضاء في مجلس النواب.

ووفق ما أعلنته الجهات الرسمية، صدرت إجراءات قانونية بحق عدد من الشخصيات السياسية على خلفية اتهامات تتعلق بملفات فساد، بينهم زعيم تحالف "عزم" مثنى السامرائي، إضافة إلى النواب محمد جميل المياحي، وعالية نصيف، وزياد الجنابي، ومحمد الكربولي، وحسن الخفاجي، ومضر الكروي، وعبد الرحمن اللويزي، وبهاء النوري، وهند العباسي، ومحمد فرمان الجبوري، وبشرى القيسي.

وأثارت هذه التطورات اهتماماً واسعاً داخل الأوساط السياسية، بالنظر إلى حجم الشخصيات التي طاولتها الإجراءات، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات على التوازنات السياسية خلال المرحلة المقبلة.

 

كيف يقرأ الأكاديميون مستقبل الحملة؟

يقول الباحث والأكاديمي عمر ناصر، لـ"النهار"، إن "صولة الفجر" تعد من أكثر المبادرات الحكومية حساسية منذ سنوات"، موضحاً أن "نجاحها لا يقاس بعدد أوامر القبض أو حجم التغطية الإعلامية، وإنما بقدرتها على استكمال التحقيقات وفق القانون واسترداد الأموال العامة".

وأضاف أن "توسّع الحملة لتشمل مسؤولين حاليين وسابقين يمنحها ثقلاً سياسياً وقانونياً، لكنه يضعها أيضاً أمام اختبارٍ يتعلق بمدى استمرارها إذا امتدت إلى شخصياتٍ تمتلك نفوذاً سياسياً أو اقتصادياً"، مشيراً إلى أن "ملفات الفساد الكبرى تتطلب تحقيقات مالية وفنية معقدة وتنسيقاً وثيقاً بين الأجهزة الرقابية والقضاء والجهات المختصة بتتبع الأموال".

وأكد أن "استرداد المال العام يمثل ركناً أساسياً في نجاح أي حملة لمكافحة الفساد"، داعياً إلى "إعلان نتائج التحقيقات بشفافية وتقديم معلومات موثقة للرأي العام، بما يعزز الثقة بالمؤسسات ويحد من محاولات تسييس الملف".

 

هل تنجح "صولة الفجر" في تغيير المعادلة؟

يبقى هذا السؤال مفتوحاً حتى الآن. فالحملة وضعت الحكومة والقضاء أمام اختبارٍ غير مسبوق، ليس فقط في ملاحقة المتهمين، وإنما في إثبات قدرة مؤسسات الدولة على تطبيق القانون على الجميع من دون استثناء، واسترداد الأموال المنهوبة، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب.

وإذا نجحت السلطات في استكمال التحقيقات وإصدار الأحكام القضائية واستعادة الأموال العامة، فقد تمثل "صولة الفجر" نقطة تحولٍ في تاريخ مكافحة الفساد بالعراق. أما إذا توقفت عند حدود الاعتقالات والإعلانات الإعلامية، فإنها قد تنضم إلى قائمة طويلة من الحملات التي بدأت بقوة، لكنها لم تنجح في تفكيك منظومة الفساد المتجذرة داخل مؤسسات الدولة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية