"صولة الفجر" في بغداد... حرب الفساد أم السياسة؟
منتظر ناصر *
في فجر الثامن والعشرين من حزيران/يونيو الماضي، استيقظ العراقيون على مشاهد غير مألوفة لدبابات وآليات مدرعة تقتحم منازل ومزارع وشقق نواب ومسؤولين داخل المنطقة الخضراء وخارجها، ضمن حملة واسعة استهدفت متهمين بقضايا فساد مالي، وعُرفت لاحقاً باسم "صولة الفجر". الحملة قادها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بدعم من رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، وبمباركة ظاهرية من الإطار التنسيقي "الشيعي".
ومن أجل فهم طبيعة هذه الحملة، لا بد من وضعها في سياق الضغوط الخارجية والأزمات الداخلية التي تواجهها الدولة العراقية، فقد بدأت الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية بتشديد إجراءاتها المالية على العراق، وكان أبرزها تقييد تدفق الدولار في نيسان/ أبريل الماضي، وهي خطوة حملت رسالة واضحة بأن واشنطن قادرة على ممارسة ضغط اقتصادي كبير إذا استمرت بغداد في سياساتها السابقة. ثم تبع ذلك، في السابع من أيار/مايو الماضي، فرض عقوبات على وكيل وزارة النفط علي معارج بتهمة تهريب النفط الإيراني عبر خلطه بالنفط العراقي، وهو الشخص الذي اعتُقل لاحقاً ضمن حملة مكافحة الفساد.
إشارات تحذير أميركية
ووفقاً لهذه القراءة، فإن تلك الإجراءات الأميركية لم تكن مجرد عقوبات منفصلة، بل بمثابة "قرصة أذن" أو إشارات تحذير واضحة للنخب السياسية العراقية بأن مرحلة التساهل قد انتهت، وأن فصول الجد قد بدأت، وأي استمرار في ربط الحكومة العراقية بإيران قد يعرّض شخصيات نافذة وربما زعامات لعقوبات مماثلة.
وقد ازدادت هذه الضغوط حدة مع وصول المبعوث الأميركي توم براك إلى بغداد أواخر أيار/ مايو الماضي، حيث بدا حازماً في الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة وتقليص نفوذ القوى المرتبطة بإيران، كما نُسب إليه دور في دعم تشكيل حكومة برئاسة شخصية مستقلة وإبعاد شخصيات وقوى مقربة من إيران عن مواقع القرار.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى "صولة الفجر" باعتبارها جزءاً من محاولة لتفكيك الشبكات المالية التي وفرت خلال سنوات طويلة مصادر تمويل للأحزاب والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. فالحكومة الجديدة تسعى، بحسب هذا التصور، إلى تجفيف بعض منابع التمويل غير المشروعة من أجل تهدئة الضغوط الأميركية وكسب رصيد سياسي قبل زيارة الزيدي إلى واشنطن، الجارية حالياً، ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
أزمة اقتصادية متفاقمة
لكن العامل الخارجي ليس التفسير الوحيد، فالعراق يواجه أيضاً أزمة اقتصادية متفاقمة، إذ تعاني الدولة من نقص في السيولة نتيجة سياسات سابقة، كما تشير تقديرات شبه رسمية إلى خسائر كبيرة تجاوزت 40 مليار دولار بسبب تداعيات أحداث مضيق هرمز. وقد دفعت هذه الظروف الحكومة إلى الاقتراب من خيارات اقتصادية حساسة، مثل تعويم العملة أو إصدار نقد جديد، وهي خيارات تحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الاقتصادي.
وفي ظل نظام المحاصصة الحزبية والطائفية الذي توسع طوال العقدين الماضيين، مستفيداً من الوفرة النفطية، أصبحت الدولة تتحمل أعباء هائلة من الامتيازات والمخصصات والشبكات الحزبية، ما ساهم في تغلغل شبكات الفساد. ومع تراجع الموارد وارتفاع البطالة وتزايد الغضب الشعبي، لم يعد بالإمكان الاستمرار بالنهج نفسه، فبدأت القوى السياسية، بالتضحية ببعض الحلقات الأقل نفوذاً لتقليل الهدر وحماية توازناتها الأساسية.
قد تكون "صولة الفجر" بداية لتحوّل مهم في المشهد العراقي، لكنها لا تزال محكومة بتوازن دقيق بين مكافحة الهدر المالي والحفاظ على استقرار العملية السياسية، وسط استمرار الضغوط الأميركية واحتمال اتساع دائرة الاستهداف في الأشهر المقبلة لتشمل شخصيات لم تكن في الحسبان.
* كاتب عراقي