صواريخ "باتريوت" بين الخليج وأوكرانيا... مخزون واحد لا يكفي جبهتين

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في هجوم 6 تموز/يوليو الفائت، أخفقت الدفاعات الأوكرانية في إسقاط أيٍّ من الصواريخ الباليستية الروسية الثلاثة والعشرين. ولم يكن ذلك إخفاقاً عارضاً؛ إذ تمكّنت الشبكة ذاتها، في الليلة نفسها، من اعتراض 37 صاروخاً من أنواع أخرى، وما يزيد على 90 في المئة من 351 طائرة مسيّرة.

فالخلل، إذاً، لا يطاول منظومة الدفاع بأكملها، وإنما ينحصر في طبقة واحدة منها: تلك القادرة على التصدي للصواريخ الباليستية، والتي تعتمد فيها كييف أساساً على منظومة "باتريوت" الأميركية. وخلال الأيام التالية، لم تعترض أوكرانيا سوى 4 من أصل 54 صاروخاً باليستياً أطلقتها روسيا منذ مطلع تموز/يوليو.

وقد تزامن اتساع هذه الثغرة مع استنزاف كثيف للصواريخ الاعتراضية ذاتها في الشرق الأوسط. فمنذ اندلاع الحرب مع إيران، أطلقت طهران مئات الصواريخ الباليستية والمسيّرات في اتجاه دول الخليج وإسرائيل، ولجأت القوات الأميركية وحلفاؤها، لاعتراض جانب منها، إلى صواريخ من طراز PAC-3، وهي الذخيرة عينها التي تطلقها بطاريات "باتريوت"، وتحتاج إليها أوكرانيا لحماية مدنها ومنشآتها. 

وقبل أن تتبيّن آثار الحرب كاملة، حذّر خبراء ومسؤولون من أن الإنتاج السنوي، الذي يناهز 600 صاروخ، لا يفي بالطلب الأميركي والخليجي والأوكراني مجتمعاً.

 

مخزون واحد تتنازعه أربع جهات

 

يقول مارك كانسيان، العقيد المتقاعد في احتياط مشاة البحرية الأميركية والمستشار الأول في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، في تصريحات خاصة إلى "النهار"، إن الاستهلاك المرتفع لصواريخ "باتريوت" في مواجهة إيران "ترك كميات قليلة متاحة للأوروبيين لشرائها من خلال مبادرة PURL"، وهي الآلية التي تموّل عبرها دول أوروبية وكندا شراء أسلحة أميركية تُوجَّه إلى أوكرانيا.

ويضيف كانسيان أن البنتاغون يسعى حالياً إلى الاحتفاظ بالإنتاج الجديد الخارج من المصانع لإعادة بناء مخزوناته، بدلاً من توجيهه إلى الحلفاء والشركاء. غير أنه يحذّر، في المقابل، من قراءة هذا التزامن بوصفه دليلاً قاطعاً على أن شحنة بعينها انتُزعت من أوكرانيا وأُرسلت إلى الشرق الأوسط؛ فالولايات المتحدة واصلت تسليم كييف أعداداً محدودة بموجب عقود أُبرمت في عهد إدارة جو بايدن، فضلاً عن أن محاولة سابقة لتحويل شحنات "باتريوت" بعيداً من أوكرانيا جرى التراجع عنها.

وعند هذا الحد يقف الاستنتاج أمام سقف واضح: فلا بيانات علنية عن حجم المخزون الأميركي أو مسار كل صاروخ، إذ تندرج هذه المعلومات في عداد الأسرار العسكرية. غير أن المؤشرات المتاحة تدل على أن حرب إيران ضيّقت هامشاً كان ضيّقاً في الأصل، وفاقمت التنافس على خط إنتاج بطيء بين أربعة أطراف: القوات الأميركية، ودول الخليج، وأوروبا، وأوكرانيا.

 

لماذا لا تحسم المصانع الأزمة قريباً؟

 

يوضح كانسيان مسألة كثيراً ما تغيب عن غير المتخصصين: فالأرقام الواردة في الموازنة الأميركية تعبّر عن الصواريخ التي جرى تمويلها خلال السنة المالية، لا عن تلك التي وصلت الوحدات العسكرية فعلاً، إذ قد تمتد عمليات التسليم سنوات.

وبحسب تقديره، ارتفع الإنتاج السنوي من نحو 300 صاروخ إلى 600، يؤول نصفها تقريباً إلى الجيش الأميركي، والنصف الآخر إلى الحلفاء والشركاء، فيما يستهدف البنتاغون بلوغ 2000 صاروخ سنوياً بحلول عام 2030.

بيد أن هذا التوسع لن يدرك سماء كييف في وقت قريب؛ فإنشاء خطوط إنتاج جديدة يستلزم استقدام العمال وتدريبهم، وتوفير المعدات، وتوسعة المنشآت، ومعالجة الاختناقات لدى الموردين. ومن ثمّ يرى كانسيان أن أثر الزيادة لن يظهر ميدانياً قبل سنوات عدة. وحتى الاتفاق السياسي الأخير الذي يمنح أوكرانيا تراخيص لتصنيع صواريخ "باتريوت" محلياً لن يقدّم حلاً عاجلاً، إذ يقدّر خبراء أن مباشرة الإنتاج قد تستغرق عاماً على الأقل، وربما أكثر.

وحين توجّهت "النهار" بالسؤال إلى شركة "لوكهيد مارتن"، المصنّعة لصواريخ PAC-3، عن حجم الإنتاج وجداول التسليم، اعتذرت الشركة عن الإجابة بداعي "فترة الصمت"، وهي المدة التي تمتنع خلالها الشركات المدرجة في البورصة عن الإدلاء بتصريحات قبيل إعلان نتائجها المالية. 

وأضافت متحدثة باسم الشركة أن مبيعات السلاح الخارجية صفقات تُبرم بين الحكومات، وأن الأسئلة المتصلة بأي تعديلات في جداول التسليم ينبغي أن تُوجَّه إلى الحكومة الأميركية، غير أن "النهار" لم تتلق أي إجابات عن أسئلة وجهتها أيضاً إلى الإدارة الأميركية حتى موعد كتابة هذا التقرير.

 

جندي أميركي يجري أعمال صيانة على منظومة

 

أزمة تسبق الحرب

 

يخلص كانسيان إلى أن المعضلة مزدوجة؛ فالمخزون الأميركي كان متدنياً قبل حرب إيران أصلاً، إذ قامت صناعة السلاح الأميركية طوال عقود على افتراض حروب قصيرة الأمد وإنتاج بوتيرة زمن السلم. ثم جاءت حرب أوكرانيا لتكشف ما تستنزفه المواجهات الممتدة من ذخيرة، وأظهرت تدريبات المحاكاة لصراع محتمل مع الصين المعضلة ذاتها. فحرب إيران، بحسب هذه القراءة، لم تنشئ الأزمة، لكنها عمّقتها في اللحظة التي كثّفت فيها روسيا اعتمادها على الصواريخ الباليستية.

ولا سبيل إلى الجزم بأن الصواريخ التي أُطلقت في أجواء الخليج كانت ستسقط حتماً صواريخ في سماء كييف. غير أن الحصيلة العملية بيّنة: إنتاج لا يفي بمتطلبات جبهتين متزامنتين، ومخزونات تريد واشنطن ترميمها أولاً، وأوكرانيا مضطرة إلى المفاضلة بين مدنها ومنشآتها عند توزيع الحماية، فيما قد يصل حل توسيع التصنيع بعد سنوات من لحظة الحاجة إليه.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية