صلاح الوديع يستحضر سخرية "العريس" للتحايل على ألم "سنوات الرصاص"
كرّم الشاعر والكاتب صلاح الوديع في الدورة 31 من المعرض الدولي للنشر والكتاب، في جلسة خصصت لمساره سيرها الإعلامي والروائي ياسين عدنان، الذي تحدث عن أسلوب كتابة المكرّم الذي يستعمل فيه منذ “العريس”: “السخرية للتحايل على الألم، كما قال المتنبي: ‘لكنه ضحك كالبكا’؛ وهي سخرية رافقت العنوان الفرعي لمؤلفه الأخير: ‘سيرة ناج من القرن العشرين’ الذي يكتب فيه تاريخ المغرب الراهن، بحبر بالغ الشفافية، تطبعه الصداقة (…) ومن التقاهم تحولوا في الكتاب إلى صناع تاريخ”.

وعاد صلاح الوديع إلى “أشياء في طفولتنا تجعل أمورا في حياتنا من البديهيات”، مردفا: “كنت أسترق السمع لوالدي الوديع الآسفي وهو يقرأ الشعر على والدتي ثريا السقاط، وهي تجيب بـ ‘الله’، فيواصل القراءة”، وهكذا صار يكتب ويجري عند أمه ليقرأ عليها، فتشجعه، وتصحح، ويأخذ من عندها كلمات تضفي على كيانه قوة خارقة.
الأم دائمة الحضور عند حديث الوديع عن تكوينه، ومن محطات ذكرها في اللقاء التكريمي: “حضرت معها للبحث عن والدي في اعتقاله الأول بعد الاستقلال، فلما رأيت كيف تقف وتدافع لم أعد أخاف من البذلة الرسمية”.
كما تحدث الوديع عن علاقته بأبيه، وأثر اختلاف القناعات السياسية في توتيرها، ثم استعاد تضامن والده الدائم معه خلال سنوات سجنه، وبعده، وشهادته في آخر حياته: “أبنائي هم ثروتي الوحيدة”.

وحول البدايات أيضا قال صاحب “ميموزا”: “حديث الأسرة عن محمد الخامس، ورموز الحركة الوطنية، كان معه الوطن من صميم الأسرة، لا خارجها. ووالدي عند الاستقلال بعد كفاحه الوطني عين قائدا من القياد الوطنيين في الخميسات، ثم سيدي بنور”، وزاد: “وعند وفاة محمد الخامس رأيت موجة بشرية (…) وتأثرا كبيرا جدا في صفوف الساكنة. كان أول طوفان رأيته”، وكان ذلك ما أثمر أول قصيدة.
ومن بين ما تحدث عنه الوديع فلسطين التي وجدها “في جميع المنعرجات”، وعاد إلى الأستاذ الفلسطيني الذي درّسه وشجعه على الكتابة، و”كلما كتبت إنشاء كان يطلب مني قراءته على التلاميذ”، ثم قصيدته عن فلسطين وهو يافع، وتابع: “كان والدي مدير جريدة فلسطين (المغربية)، ويزوره وفد من منظمة التحرير وقرأت عليهم (…) وشجعوني، وكتبت قصائد حب أخرى وهيأتها للنشر في كتيّب وأعطيتها لأستاذي الفلسطيني يونس الشامي وشجعني، وكان هذا من الوثائق التي حجزت مع اعتقالي. ومازالت تلك القصائد مجهولة المصير”.
وحول سنوات الاعتقال السياسي قال الشاعر ذاته: “السنة الأولى من السجن كان فيها تشدد كبير، بدأ يقل مع السنوات، وفي السنوات الثلاث الأخيرة من سجني كان هناك انفراج؛ فكنت أنشر قصائدي خارج السجن، ولما خرجت كان من أول مهامي نشرها في ديوان”.

وبعد عقد من الخروج من السجن نشر صلاح الوديع “العريس”، لما احتك برسائل السجن التي جمعتها أمه وطلبت منه مراجعتها، وقال: “كنت كلما بدأت المراجعة أتأثر، فأخبرتها بأني لن أستطيع ذلك؛ ولما جمعت الرسائل في كتاب قلت لها إن الكتاب حزين جدا، فقررنا إضافة فصل رسائل لم تكتب ولم ترسل وكانت هزلية مصطنعة”.
من هنا جاءت فكرة “العريس” بعد تفاعل قراء مع الفصل الساخر، ولأن “من أجمل ما قرأت في حياتي ‘متشائل’ لإميل حبيبي الذي قرأته في السجن (…) وأردت الكتابة بطريقة هزلية عن الألم”، يورد المتحدث.
وفي اللقاء تطرق الوديع لمحطات من “النجاة” في الطفولة مع حمى الأمعاء، والغرق، والتسمم، وصولا إلى “التخطيط للانتحار تحت التعذيب، لأني لم أكن أريد تقديم أسماء أصحابي في التنظيم السري، لواحد من أخطر المعتقلات السرية في المغرب الحديث، ومن حسن الحظ وسوئه أنه جاءت دفعة جديدة من المعتقلين فخف تعذيبي، فتراجعت عن الانتحار”.

ومن بين ما اهتم به عضو هيئة الإنصاف والمصالحة حقائق “سنوات الرصاص” وسنوات العنف المجتمعي بعد الاستقلال، قائلا: “عندما اكتشفت مجموعة من الحقائق حول تلك الفترة (…) أحسست بأن جبل جليد قد انهار”، وعبر عن أسفه لعدم كشف عارفين بما وقع في محطات مظلمة من تاريخ المغرب بعد الاستقلال الحقائق والقناعات.
ويؤكّد الوديع أنه “لا توجد حياة تستحق أن تروى وحياة لا تستحق؛ فكل حياة تستحق أن تروى، وكل من عاش يستحق رواية ما عاشه”.
وجاءت سيرة الوديع “من زاوية أن بعض ما فعلته مس ليس محيطي فقط، بل المسار الوطني، واعتبرت أن من الأولويات حفظ الذاكرة؛ ففي مجال العمل في الفضاء العام نكون أمام مسؤولية أخلاقية لا سياسية فقط، تجاه المجموعة البشرية التي نعيش معها، وينبغي أن نقدّم ‘الحساب’. اعتبرتُ أن من واجبي حفظ الذاكرة”.
The post صلاح الوديع يستحضر سخرية "العريس" للتحايل على ألم "سنوات الرصاص" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.