"صفقة ترامب" الاقتصادية للبنان تبدأ من الخصخصة... حايك: بقيت حبراً على ورق والشراكة الحل الأفضل
كلما اشتدت الأزمات المالية وارتفع منسوب الحديث عن الإنقاذ الخارجي، يعود الحديث عن المشاريع التي يمكن أن تضع لبنان على سكة التعافي، وبينها مشاريع الخصخصة أو بمعنى أدق، الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
بيد أن هذه المشاريع، لطالما تحولت إلى ملفات تعطلها السياسة والطائفية وتضارب المصالح، شأنها شأن معظم المشاريع الكبرى التي دخلت دهاليز الدولة اللبنانية ولم تخرج منها. فمن الكهرباء إلى المطارات والمرافئ والاتصالات، تبدو الخطط في لبنان غير قابلة للتنفيذ، إذ غالباً ما تتعثر عند تقاطع النفوذ السياسي مع الحسابات الطائفية ومصالح القوى المتحكمة بالإدارة العامة.
المفارقة أن منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للخصخصة، وهو الجهة المفترض أن تقود هذا المسار، لا يزال شاغراً حتى اليوم. وكان آخر من شغل هذا المنصب بشكل بارز زياد حايك الذي تولى المهمة لسنوات قبل انتهاء ولايته.
وخلال الفترة الأخيرة، برزت محاولة لتعيين أمين عام جديد ضمن آلية التعيينات التي أعلنتها الحكومة اللبنانية عام 2025، إلا أن الملف اصطدم بعقدةٍ طائفية بعدما كان معظم المتقدمين من الطائفة الإسلامية فيما المنصب مخصص للطائفة المسيحية، قبل أن تؤدي الحرب والتطورات الأمنية إلى تجميد الملف بالكامل.

اليوم عاد ملف الخصخصة الى الواجهة بعد التقرير الذي نشرته مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات الأميركية حول ما سمتها "صفقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للبنان"، والتي لا تقتصر على ترتيبات أمنية مرتبطة بسلاح "حزب الله" والحدود الجنوبية، بل تمتد إلى مشروع اقتصادي واسع يقوم على إعادة الإعمار واستقطاب الاستثمارات الأجنبية وإعادة هيكلة المؤسسات العامة المتعثرة، وفي مقدمها الكهرباء والمياه والبنى التحتية.
الشراكة الحقيقية تعني تقليص النفوذ السياسي
الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للخصخصة زياد حايك يقول لـ"النهار" أنه لم يحصل أن طبق مفهوم الخصخصة في لبنان، وما جرى منذ التسعينات، وخصوصاً في قطاع الخليوي، لم يكن خصخصةً بالمعنى الحقيقي بل شراكات غير مكتملة أديرت بعقود غير سليمة وبفهم ملتبس لمفهوم الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

النقاش برأي الحايك، يجب أن ينتقل من فكرة "بيع أملاك الدولة" إلى البحث في نموذج مختلف يقوم على استقطاب استثمارات خاصة ضمن عقودٍ وتنظيم ورقابة من الدولة، وهو النموذج الذي يعتبر أن "لبنان فشل حتى الآن في تطبيقه بشكل صحيح، ليس بسبب غياب القوانين فحسب، بل لأن السلطة السياسية لا تزال تتعامل مع القطاعات العامة بصفتها مصادر نفوذ وتوظيف وخدمات، أكثر مما هي مؤسسات إنتاجية قابلة للإصلاح".
ورغم أن قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص أقر عام 2017، ثم أدخلت عليه تعديلات لاحقة هدفت إلى توضيح الآليات التنظيمية، إلا أن التنفيذ بقي محدوداً.
هذا التعثر يعكس، بحسب حايك، مشكلةً أعمق من مجرد نقص في التمويل أو غياب المستثمرين، "إذ إن غالبية القوى السياسية باتت تضع مبدأ الشراكة في برامجها، لكنها تتراجع عملياً عند الانتقال إلى التنفيذ. والسبب أن أي شراكة حقيقية تعني تلقائياً تقليص مساحة النفوذ السياسي داخل المؤسسات العامة، سواء عبر الحد من التوظيف العشوائي أو نقل الإدارة التشغيلية إلى جهات أكثر استقلالية وكفاية".
الخلط بين الخصخصة والشراكة
في قطاع الكهرباء تحديداً، يظهر بوضوح الفارق بين الخصخصة والشراكة. فحايك يرفض فكرة بيع أصول مؤسسة الكهرباء، معتبراً أن "المعامل الحالية متهالكة إلى درجة تجعل بيعها شبه مستحيل، لأن المستثمر سيضطر عملياً إلى تفكيكها وإعادة بنائها بالكامل بسبب تقادم المعدات والأعباء البيئية المرتبطة بها". لذلك، يطرح نموذجاً قائما على الشراكة في الإنتاج، وخصوصاً في مجالات الطاقة الشمسية والإنتاج اللامركزي، مع إبقاء دور الدولة في التنظيم والإشراف.
ويربط أي إصلاح فعلي للكهرباء بتحديث شبكات النقل والتوزيع، وإنشاء مراكز تحكم حديثة، واعتماد العدّادات الرقمية التي تحدّ من الإهدار والسرقة وتحسن إدارة الشبكة. ويكشف أن "مشروع العدّادات الرقمية كان مطروحاً منذ عام 2008، لكنه سقط نتيجة الخلافات السياسية على شكل إدارة القطاع، في نموذج يختصر كيفية تعطيل المشاريع التقنية في لبنان بفعل الحسابات السياسية".
ولا يختلف الأمر كثيراً في قطاع المياه، الذي يراه حايك "ضحية مقاربة شعبوية تعتبر أن المياه يجب أن تكون مجانية بالكامل، متجاهلة التكلفة الحقيقية لاستخراجها وتنقيتها وضخها ونقلها". وبينما يرفض جزء من الرأي العام أي دور للقطاع الخاص خوفاً من ارتفاع الأسعار، يدفع اللبنانيون عملياً أثمانا باهظة عبر شراء المياه المعبأة أو الاعتماد على الصهاريج الخاصة، في مفارقة تعكس حجم الخلل في إدارة هذا القطاع.
حتى الخطاب السياسي العالمي، وفق قراءة حايك، يخلط أحياناً بين الخصخصة والشراكة. فحين يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن "الخصخصة" في لبنان، فإن المقصود عمليا هو نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، لا بيع أملاك الدولة بالكامل. إلا أن هذا الخلط بالمفاهيم ساهم طوال سنوات في إثارة مخاوف شعبية وسياسية عطلت أي نقاش هادئ حول إصلاح القطاعات العامة.
أما العقدة الأساسية، فتبقى سياسية بامتياز، إذ أن القوى الحاكمة، بحسب حايك، لا تتخلى بسهولة عن القطاعات التي تمنحها النفوذ والقدرة على التوظيف وتوزيع الخدمات. ولهذا، غالباً ما تعد الدراسات وتطرح الخطط وتعقد المؤتمرات، قبل أن تتوقف المشاريع عند أبواب مجلس الوزراء أو داخل متاهات المحاصصة.