صفقات "شراء شاشات" تحت المجهر
استنفرت المصالح الإقليمية بجهات الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة ومراكش-آسفي آليات المراقبة، إثر توصلها بتقارير كشفت عن تصاعد موجة سندات طلب متواترة همّت اقتناء شاشات عرض ضخمة لفائدة عدد من الجماعات الحضرية والقروية، وسط شكوك حول مدى تناسب هذه المقتنيات مع الحجم الفعلي لاحتياجات الإدارات المعنية، ومدى انسجامها مع توجهات الرقمنة التي ترسم معالمها المصالح المركزية لوزارة الداخلية في مجال تدبير المداخيل والنفقات والميزانيات.
وأفادت مصادر جيدة الاطلاع هسبريس بأن المصالح المختصة شرعت في استفسار مسؤولين جماعيين لاستيضاح ظروف اقتناء هذه التجهيزات، بعدما أسفرت المعطيات الأولية عن تثبيت عدد من الشاشات داخل مكاتب رؤساء جماعات ومديري مصالح وموظفين متنفذين، في حين ظل عدد مهم منها حبيس المستودعات دون تشغيل منذ لحظة اقتنائها، مما أثار تساؤلات بشأن جدوى هذه النفقات وآليات تحديد الحاجيات قبل إطلاق مساطر التزويد.
وأكدت المصادر ذاتها أن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن بعض هذه الشاشات تجاوزت مواصفاتها التقنية ما تستدعيه الاستخدامات الإدارية المعتادة، كما رصدت أيضًا اقتناء وحدات من الفئة الاحترافية ذات الأحجام الكبيرة والأثمنة المرتفعة في سياقات لا تستوجب سوى تجهيزات مكتبية اعتيادية، مما رجّح لدى المصالح الرقابية الإقليمية احتمال التلاعب في تحديد المواصفات قصد تضخيم فواتير الاقتناء.
وكشفت المصادر نفسها عن مطالبة مصالح العمالات المعنية بحزمة من الملفات والوثائق المرتبطة بهذه العمليات، شملت سندات الطلب ومحاضر التسلم ووثائق الجرد، في إطار مسعى رقابي يرمي إلى التحقق من قانونية المساطر المعتمدة واحترام قواعد الطلبيات العمومية وما تستوجبه من شفافية وتنافسية.
وتبيّن في هذا الصدد لجهة التدقيق أن جانبًا من هذه العمليات جرى تمريره عبر سندات طلب مجزأة، في ما يبدو توجها مقصودا لتفادي تجاوز العتبات المالية التي تستوجب اعتماد مساطر التنافس المفتوح، وهو مسلك يرتب مسؤوليات قانونية صريحة في إطار النصوص المنظّمة للصفقات العمومية وما تنص عليه من محظورات التجزئة الاصطناعية.
وامتدت عمليات التدقيق، حسب مصادر الجريدة، لتطال هوية الشركات المزودة وطبيعة تعاملاتها مع الجماعات المعنية، في مسعى للتثبت من وجود أي هيمنة لمزودين بعينهم على عمليات اقتناء هذا الصنف من التجهيزات داخل نطاقات جغرافية محددة، مشيرة إلى أن المصالح الرقابية رصدت تقاطعات لافتة بين أسماء شركات موردة تكررت في أكثر من جماعة، وسط شبهات حول طبيعة العلاقة التي تجمعها ببعض المسؤولين المحليين، سرعان ما تعززت بغياب أي تنوع في قوائم الشركات المستفيدة، رغم اتساع السوق وتعدد المتنافسين المؤهلين في هذا القطاع.
واستند تحرك الإدارات الترابية بالأقاليم، وفق مصادر هسبريس، إلى توجيهات صارمة أطلقتها وزارة الداخلية في الأشهر الأخيرة، حثّت فيها الجماعات الترابية على ضبط نفقات التجهيز وترشيد قرارات الاقتناء وربطها بمخططات واضحة للاحتياجات الفعلية، بعيدًا عن منطق الإنفاق الموسمي الذي يتصاعد عادة مع اقتراب نهاية السنة المالية.
وأوضحت المصادر في السياق ذاته أن ملف الشاشات لا يعدو أن يكون نموذجا مصغرا لمشاكل هيكلية أعمق تتصل بضعف منظومة الرقابة الداخلية لدى عدد من الجماعات، وهشاشة آليات التخطيط المسبق للنفقات، في ظل غياب لجان تقنية مستقلة تتولى تحديد المواصفات والتحقق من الجدوى قبل إطلاق أي مسطرة تزويد.
The post صفقات "شراء شاشات" تحت المجهر appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.