صراع النفوذ في الساحل .. محاولات صلبة وناعمة لإعادة تشكيل المشهد

كشفت الهجمات المنسقة التي شهدتها مالي عن عودة حادة لرهانات النفوذ الإقليمي في منطقة الساحل، ووضعت أدوار بعض الفاعلين الدوليين تحت مجهر المساءلة. وفي صلب هذا المشهد، برز الدور الجزائري كأحد أهم محددات هذا التعقيد، عبر أنماط تدخله الفعلي وآليات تأثيره المباشر في مسارات الأزمات.

المعطيات المتوفرة عقب هذه التطورات تشير إلى وجود ديناميات مكشوفة توظف أحيانا ورقة الإرهاب، وأحيانا أخرى قنوات موازية تتيح التواصل أو التأثير في جماعات مسلحة؛ من بينها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، لخدمة رهانات جيوسياسية تتجاوز الحدود الوطنية، وتطرح تساؤلات حول طبيعة هذا التداخل وحدوده.

في المقابل، تبنّت المملكة المغربية موقفا واضحا وثابتا، يقوم على الإدانة الصريحة للهجمات الإرهابية والتأكيد على التضامن الكامل مع الدولة المالية، مع التشديد على دعم استقرارها ووحدتها الترابية؛ وذلك في إطار المقاربة الوطنية القائمة على احترام سيادة الدول والانخراط الفعلي في مكافحة الإرهاب، بعيدا عن توظيف الأزمات أو استثمارها في صراعات النفوذ الإقليمي.

بالموازاة مع ذلك، كشفت التطورات عن تصاعد نشاط إعلامي منسق مرتبط بالبيئة الجزائرية، اعتمد على شبكات التواصل ومنصات شبه إعلامية ووسائط قريبة من الحركات الانفصالية، بهدف تصوير مالي كدولة هشة، والتشكيك في خياراتها السياسية؛ فيما حافظ الخطاب الرسمي الجزائري على قدر من التحفظ، مقابل تمرير رسائل أكثر حدة عبر قنوات غير رسمية، بهدف توفير هامش إنكار رسمي مع تحقيق التأثير المطلوب.

ويجسد ما يجري حاليا في مالي تفاعلات جيوسياسية مركبة تتداخل فيها أدوات التأثير الصلب والناعم، كما يتكرس تمايز واضح بين مقاربة مغربية ترتكز على دعم استقرار الدول ووحدتها، وأخرى توظف الهشاشة الأمنية ضمن حسابات ظرفية؛ وهو ما يضع مسؤولية مباشرة على الجزائر في تغذية ديناميات عدم الاستقرار في منطقة الساحل، ويستدعي تقييما دوليا أكثر صرامة لأنماط هذا الدور وحدوده.

الجزائر والإرهاب

قال عبد الفتاح البلعمشي، رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، إن الهجمات المنسقة التي شهدتها مالي تعيد طرح إشكالية محاولات بعض الأنظمة السياسية في إفريقيا هندسة التوازنات الأمنية الإقليمية وفق أجندات تمس بسيادة دول الجوار، مسلطا الضوء على الدور الجزائري الذي يتصدر هذا النقاش باعتباره أحد أبرز محدداته.

وأضاف البلعمشي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن المعطيات التي أعقبت هذه الأحداث تشير إلى زعزعة ممنهجة للاستقرار الإقليمي، وإلى توظيف براغماتي، وأحيانا غير مشروع، لورقة الإرهاب لتحقيق مكاسب جيوسياسية، عبر قنوات تواصل غير رسمية مع جماعات مسلحة ذات مرجعيات متطرفة.

وأوضح رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات أن المنطقة تعيش على وقع نقطة تحول مفصلية أعادت فتح ملف “مناطق الظل” والثغرات الأمنية، سواء المرتبطة بدعم النزعات الانفصالية أو باحتمالات التواطؤ مع تنظيمات إرهابية بعينها؛ الشيء الذي يثير تساؤلات مقلقة حول أداء المنظومة الأمنية برمتها.

وتابع المحلل السياسي ذاته قائلا: إن هذا السياق يضع المجتمع الدولي أمام استحقاق إجراء تقييم موضوعي ومعمق للديناميات الأمنية في الساحل، يشمل تحليل أنماط التفاعل المباشر وغير المباشر مع التنظيمات الإرهابية الفاعلة في المنطقة، بشكل يسمح بفهم أعمق لمسارات التهديد.

وفي هذا الإطار، استحضر البلعمشي تواتر مؤشرات ميدانية دالة؛ من بينها تصاعد ظاهرة اختطاف الرهائن الأجانب، وحرية حركة وتنقل القيادات الجهادية، فضلا عن وجود ممرات انسحاب آمنة وعابرة للحدود، مشددا على أن هذه المعطيات تعزز فرضية وجود توظيف سياسي-أمني للتهديد الإرهابي.

كما أشار الخبير في الشؤون الدبلوماسية إلى أن هذه المؤشرات تندرج ضمن نمط متكامل يعكس تداخلا بين الأجندات السياسية والاعتبارات الأمنية، داعيا إلى استحضار مقاربة دولية أكثر صرامة ووضوحا في تحديد المسؤوليات.

وأنهى البلعمشي حديثه لهسبريس بالتأكيد على أن مواجهة هذه التحديات تقتضي الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى مقاربة استراتيجية شاملة، قوامها تجفيف منابع التوظيف السياسي للإرهاب، وتعزيز التنسيق الإقليمي والدولي لحماية استقرار منطقة الساحل.

النفوذ الإقليمي

قال الشيخ أحمد أمين، مدير نشر موقع أنباء أنفو الموريتاني، إن هجوم السبت الماضي الذي استهدف مدنا مالية عديدة بشكل متزامن يطرح قراءة سياسية عميقة تتقاطع فيها الرسائل الإقليمية مع حسابات الداخل المالي.

وأضاف الشيخ أحمد، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن طبيعة الهجوم من حيث التنسيق وتعدد الجبهات توحي بأنه يتجاوز قدرات جماعات محلية معزولة، ويفتح المجال أمام فرضية “الدور غير المعلن” لبعض الفاعلين الإقليميين في توجيه مسارات التصعيد.

وأكد الصحافي الموريتاني أن السياق الإقليمي يفرض استحضار الجزائر كطرف ذي وزن تاريخي في معادلة شمال مالي، سواء من خلال أدوار الوساطة السياسية أو عبر شبكات التأثير الاستخباراتي؛ وهو ما يجعل حضورها في خلفية هذا المشهد أمرا لا يمكن تجاهله.

وفي رده على سؤال هسبريس حول مدى ارتباط الهجوم بتطورات الموقف المالي من جبهة “البوليساريو”، أوضح الشيخ أحمد أن هذه الفرضية تكتسب زخما عند ربطها بقرار باماكو الأخير بسحب الاعتراف بالكيان الذي تحتضنه الجزائر؛ غير أن تفسير الهجوم حصريا كرد فعل إقليمي يظل قراءة غير مكتملة.

واسترسل في القول إن الواقع الميداني في شمال مالي يكشف عن تعقيد أكبر، حيث يتداخل الحضور الأزوادي، الذي يرفع مطالب ذات طابع هوياتي وسياسي، مع نشاط جماعات جهادية مرتبطة بتنظيمات مثل تنظيم القاعدة؛ ما يخلق مفارقة بين خطاب سياسي مشروع نسبيا وممارسة ميدانية مرتبطة بتحالفات مسلحة عابرة للحدود.

ولفت المتحدث الانتباه إلى أن هذا التداخل يُضعف مشروعية الطرح الأزوادي دوليا، ويفتح المجال أمام توظيفه ضمن لعبة نفوذ أوسع؛ وهو ما منح أطرافا إقليمية ودولية هامشا أكبر للتأثير، سواء عبر دعم غير مباشر أو من خلال استثمار حالة الفوضى لتحقيق مكاسب استراتيجية.

وخلص مدير نشر موقع أنباء أنفو إلى أن هجوم 25 أبريل الجاري لا يمكن فصله عن هذا السياق المركب، إذ يحمل رسائل متعددة الاتجاهات، تتراوح بين الضغط على باماكو في سياق إعادة التفكير في مواقفها السياسية، والتنبيه إلى هشاشة التوازنات الإقليمية، في وقت يظل فيه المشهد مفتوحا على مختلف السيناريوهات في ظل تشابك الفاعلين وتعقيد التحالفات.

The post صراع النفوذ في الساحل .. محاولات صلبة وناعمة لإعادة تشكيل المشهد appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress