صراع الإرادات بين واشنطن وطهران يعيد التوتر إلى الممرات الحيوية العالمية

يضع الإعلان الأمريكي الأخير عن مبادرة “تحرير مضيق هرمز” وتأمين الملاحة التجارية المنطقةَ فوق صفيح ساخن، فاتحا الباب أمام تساؤلات استراتيجية عميقة حول مآل الاستقرار في أحد أهم الممرات المائية في العالم.

وبين مدّ وجزر تتهادى مياه الخليج بين طموح واشنطن لفرض واقع ملاحي جديد يضمن تدفق الطاقة العالمي، وإصرار طهران على ممارسة سيادتها الكاملة على ما تعتبرُه مياهَها الإقليمية، ليبرز “صراع الإرادات” الذي يراوح بين الضغوط الدبلوماسية والحشد العسكري.

ومنذ الهجمات الإسرائيلية الأمريكية عليها في 28 فبراير، تغلق إيران مضيق هرمز الحيوي الذي يمر عبره خمس الإنتاج العالمي من النفط والغاز الطبيعي المسال.

هل تشكل هذه الخطوة مفتاحا لفك شفرة الأزمات العالقة أم إنها مجرد وقود لرفع منسوب التوتر في ظل انسداد أفق المفاوضات؟ قراءات محللين مختصين في العلاقات الدولية تحاول تفكيك شفرة هذه الأبعاد المعقدة، وتبسط تشريحا دقيقا لخلفيات هذا التصعيد وتداعياته المحتملة على الساحتين الإقليمية والدولية.

“القفز إلى الأمام”

الدكتور إدريس لكريني، أستاذ التعليم العالي بجامعة القاضي عياض بمراكش مختص في إدارة الأزمات، يرى أن “العملية الأمريكية الحالية تأتي في سياق شديد الارتباك والتعقيد، يغلب عليه طابع التصعيد، خاصة في ظل وصول المفاوضات الجارية والمساعي الحميدة إلى طريق مسدود دون بلوغ حل واضح”.

ويبرز هذا التوتر، بشكل جلي، وفقا لتقدير لكريني مصرحا لجريدة هسبريس الإلكترونية، “مع استمرار الحصار الأمريكي على الموانئ والمياه البحرية الإيرانية، وفي المقابل إصرار طهران على بسط تحكمها في مضيق هرمز”.

هذا الوضع يعكس، حسب قوله، رغبة واضحة من الولايات المتحدة الأمريكية في “القفز إلى الأمام” عبر ممارسة ضغوط إضافية ومكثفة على الجانب الإيراني.

وأضاف لكريني أن تأزّم الوضع في مضيق هرمز أفضى إلى “إشكالات وخسائر ملموسة”، تجلّت في “إرباك حركة الملاحة الدولية والتأثير سلبا في أسواق النفط والغاز على المستوى العالمي”، فضلا عن سيادة أجواء من الخوف والترقب، و”تأخر العديد من السفن التجارية العابرة للمضيق”.

واستحضر المصرح لهسبريس أن “المبررات التي ساقها ترامب، والتي تحاول إضفاء طابع إنساني على المبادرة وتصويرها كخطوة لتحرير الملاحة الدولية، تخفي خلفها حقيقة وصول الدبلوماسية إلى نفق مسدود وتصلب مواقف الطرفين”، ليخلص إلى أن “هذا السلوك الأمريكي يهدف بالأساس إلى إحراج إيران أمام المجتمع الدولي واستدراج مزيد من الضغوط عليها للتوصل إلى تسوية تخدم المصالح الأمريكية وتنهي أزمة حرية التنقل في هذا الممر الاستراتيجي”.

انتقالٌ لـ”تحقيق المواقع”

“ثمّة إشكالات موضوعية وواقعية تفرض نفسها على وضعية مضيق هرمز اليوم، حيث إن غياب اتفاق نهائي بين إيران والولايات المتحدة حول الملاحة جعل الصراع ينتقل إلى مستوى ‘تحقيق المواقع’ داخل المضيق”، بحسب خالد شيات، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة.

واعتبر شيات، في تصريح لهسبريس، أن “اقتراب القوات الأمريكية من الشواطئ الإيرانية تحت ذريعة حماية السفن التجارية يمثل تهديدا استراتيجيا مباشرا للإيرانيين، الذين يجدون أنفسهم في وضعية صعبة للرد، طالما أن هذه التحركات تتم في سياق تفاهمات وقف إطلاق النار القائمة”.

الخبير في العلاقات الدولية استدل بأن “استمرار التواجد الأمريكي على الحدود المباشرة للمضيق يتطلب ضمانات عسكرية قوية لبقائه، إلا أن جوهر النقاش الحالي يتمحور حول ‘سلاح الحصار'”.

ومضى شارحا أن “إيران، من جهتها، تتمسك بمعادلة الاستفادة المالية مما يسمى ‘إتاوات/رسوم العبور’ في المضيق، رغم أن ذلك يتناقض مع مقتضيات القانون الدولي، وهو أمر قد تتغاضى عنه واشنطن لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن طهران مقابل قبول الأخيرة بشروط وقف إطلاق النار النهائي”.

وختم شيات بأن “استمرار الحصار ومنع تدفق المقومات الاقتصادية الإيرانية عبر المضيق سيظل صاعقا لتجدد الصراع العسكري بين الطرفين، مما يجعل المعادلة شديدة التعقيد ما لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل وواضح يحدد قواعد اللعبة في هذا الممر الملاحي الشرياني”.

The post صراع الإرادات بين واشنطن وطهران يعيد التوتر إلى الممرات الحيوية العالمية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress