صاحب كتاب “محمد السادس.. اللغز”: نجاحات دبلوماسية واقتصادية وتعثرات في مسار الإصلاح السياسي والاجتماعي حصيلة 25 عاماً من الحكم المركزي

قال الصحفي والكاتب الفرنسي تييري أوبرليه إن حصيلة 25 عاماً من حكم الملك محمد السادس تبدو متباينة، مشيراً إلى ما وصفه بنجاحات دبلوماسية وسياسية للمغرب، مقابل تعثرات في مسار الإصلاح السياسي والاجتماعي وعدم تحقيق التغيير الذي كان منتظراً عند تولي الملك العرش.

وأوضح أوبرليه، في مقابلة مع موقع «موند أفريك» بمناسبة كتابه «محمد السادس، اللغز»، أن الملك، الذي اعتلى العرش عام 1999، ظل بالنسبة إليه شخصية يصعب فهمها بشكل كامل، رغم متابعته لمسار حكمه على مدى ربع قرن. واعتبر أن محمد السادس أظهر منذ بداية عهده رغبة في الابتعاد عن بعض ممارسات عهد والده الحسن الثاني، خصوصاً من خلال إبعاد شخصيات ارتبطت بمرحلة القمع، وإطلاق هيئة الإنصاف والمصالحة للنظر في الانتهاكات التي شهدها المغرب خلال العقود السابقة.

 

وقال أوبرليه إن الملك اختار، مع مرور الوقت، الحفاظ على جوهر النظام السياسي القائم، معتبراً أن مركز السلطة الفعلي يوجد داخل القصر وحوله، وليس في الحكومة. وأضاف أن النخب المحيطة بالملك تمثل، في رأيه، مركزاً أساسياً لصنع القرار، فيما تبقى الحكومة محدودة التأثير مقارنة بدور المؤسسات المرتبطة بالقصر.

وفي تقييمه للمسار السياسي، اختصر أوبرليه عمل النظام خلال عهد محمد السادس في «الحرص على الاستقرار»، معتبراً أن المغرب تمكن من تجاوز أزمات إقليمية وسياسية عديدة، لكنه شهد في المقابل تراجعاً في المجال السياسي بعد احتجاجات الربيع العربي، رغم وجود حريات ينص عليها القانون ولا تُطبق دائماً، بحسب تعبيره.

ووصف الكاتب حكم محمد السادس بأنه «متقلب»، إذ شهد، وفق تقديره، مراحل من التسارع أعقبتها فترات من التوقف أو التراجع. واستشهد بحرية الصحافة، التي قال إنها تراجعت مقارنة بنهاية عهد الحسن الثاني، مع اتساع نطاق الخطوط الحمراء والمحرمات في النقاش العام.

وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، اعتبر أوبرليه أن التحولات التي شهدها المغرب لا يمكن نسبها بالكامل إلى الملك، بل ترتبط بدرجة كبيرة بالعولمة وبالتغيرات التي عرفها المجتمع. وقال إن التطور تركز بصورة خاصة في ما وصفه بـ«المغرب النافع»، الممتد على محور المدن والمناطق الساحلية، بينما لا تزال مناطق أخرى تعاني، بحسب رأيه، من الفقر والأمية والإهمال.

وأشار إلى أن المغرب شهد تحسناً في مؤشرات الفقر والأمية، لكنه رأى أن هذا التقدم لم يرقَ إلى مستوى التوقعات التي صاحبت وصول محمد السادس إلى الحكم، معتبراً أن بعض مشاريع البنية التحتية الكبرى لا تعكس بالضرورة واقع المناطق التي تقع خارج محاور التنمية الرئيسية. وخلص إلى أن «التوقعات من الملك ربما كانت مبالغاً فيها».

وفي المقابل، أشاد أوبرليه بالتطور الذي شهده النفوذ المغربي في أفريقيا خلال عهد محمد السادس، معتبراً أن المملكة وسعت حضورها الاقتصادي والاستراتيجي خارج مناطق نفوذها التقليدية. وأشار إلى تنامي نشاط الشركات المغربية في قطاعات البنوك والتأمين والاتصالات والنقل، فضلاً عن توسع الحضور المغربي في منطقة الساحل وشرق أفريقيا.

وقال إن هذا التحول يعكس، في جزء منه، شعور الملك بانتماء عميق إلى أفريقيا، مشيراً إلى أن المغرب عزز خلال السنوات الماضية نفوذه في القارة، في وقت تراجع فيه حضور فرنسا في بعض القطاعات والأسواق الأفريقية. لكنه حذر من أن هذا التوسع قد يثير، على المدى البعيد، انتقادات إذا نظر إليه البعض باعتباره شكلاً من أشكال «الاستعمار الجديد».

وفي ما يتعلق بالعلاقات مع فرنسا، اعتبر أوبرليه أن المغرب ظل دولة محورية بالنسبة إلى باريس بحكم التاريخ والمصالح الاقتصادية، لكنه رأى أن عهد محمد السادس شهد استكمالاً لمسار «مغربة» الاقتصاد الذي بدأ في عهد الحسن الثاني، بالتوازي مع تراجع نسبي للنفوذ الفرنسي في قطاعات كانت تقليدياً مرتبطة بفرنسا.

وأشار إلى أن علاقة محمد السادس بفرنسا تختلف عن علاقة والده بها، موضحاً أن باريس مثلت بالنسبة إلى الملك، خلال شبابه، مساحة للحرية الشخصية بعيداً عن القيود التي أحاطت بحياته في المغرب. وأضاف أن ولي العهد الأمير مولاي الحسن لا يبدو، وفق تقديره، مرتبطاً بفرنسا بالقدر نفسه الذي كان عليه والده وجده.

أما على صعيد العلاقات الدولية، فقال أوبرليه إن الولايات المتحدة باتت تحتل موقعاً متقدماً في شبكة تحالفات المغرب، إلى جانب دول الخليج. وربط ذلك، خصوصاً، بتقارب الرباط وواشنطن خلال ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وباتفاقيات أبراهام التي انضم إليها المغرب عام 2020 مقابل اعتراف الولايات المتحدة بسيادته على الصحراء الغربية.

وفي ما يخص القضية الفلسطينية، قال أوبرليه إن المجتمع المغربي يحتفظ بموقف شديد المعارضة لإسرائيل، بينما تسمح السلطات باستمرار الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين. وفي المقابل، اعتبر أن الملك تبنى سياسة تقوم على التقارب مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، وهو ما أتاح للمغرب، بحسب تحليله، تعزيز موقعه الدولي وفتح مسارات جديدة في سياسته الخارجية.

وتطرق أوبرليه كذلك إلى ولي العهد الأمير مولاي الحسن، مشيراً إلى أن المعلومات المتاحة عن شخصيته وحياته قليلة، وأن مساره التعليمي جرى داخل المغرب، حيث درس الجغرافيا السياسية وتلقى، إلى جانب ذلك، تعليماً دينياً في المدرسة الملكية. واعتبر أن تكوينه يعكس استمراراً لبنية النظام الملكي، وإن كان ذلك في سياق مختلف عن السياق الذي نشأ فيه والده.

ويقدم كتاب «محمد السادس، اللغز»، بحسب المقابلة، قراءة لمسار الملك منذ اعتلائه العرش، مع التركيز على التناقض بين الانفتاح الذي طبع السنوات الأولى من حكمه وبين ما يصفه الكاتب لاحقاً بتراجع سياسي وعودة بعض ممارسات الماضي. ويخلص أوبرليه إلى أن المغرب حقق مكاسب مهمة في الاستقرار والدبلوماسية والبنية التحتية والنفوذ الأفريقي، لكنه لم يحقق، في نظره، التحول السياسي والاجتماعي الذي كان منتظراً مع بداية عهد محمد السادس.

اقرأ المقال كاملاً على لكم