شيءٌ منه هناك
ملاك وجيه شميطلي
"غريبين وليل
بساحة اجتمعوا
صيف وحرب وليل صدفة اجتمعوا
لا سألها من وين، ولا منتلاقى وين
يمكن حكوا العينين وبالسر توجّعوا..."
منذ اللحظة التي سمعتُ فيها هذه الكلمات، عادت إليّ دفعةً واحدة. لم تكن مجرد أغنية، بل ذاكرة كاملة تُفتح من دون استئذان، كأنها تعرف الطريق إليه أكثر مني.
جلستُ بعد رحيله، وحدي، أراقب الشتاء الأول في وطننا. لكن الشتاء هذه المرة لم يكن كما كان… كان أثقل، وكأن السماء نفسها تعرف أن شيئاً ما تغيّر. الحرب اندلعت.
لم تكن بعيدة. كانت هنا في كل تفصيل. في الأخبار، في الصمت، في ذلك القلق الذي لا يُقال. كل لبنان صار ساحة حرب، لكن ما كان يثقلني أكثر أن الأرض التي بدأت منها الحكاية، كانت أرضه.
الجنوب.
هناك حيث وُلد… حيث كبر… حيث ترك شيئاً منه، حتى بعد أن رحل.
كنت أتابع كل شيء وكأنني أبحث عنه بين الركام. كل شارعٍ مدمّر، كل بيتٍ تهدّم، لم يكن مجرد مشهد بل احتمال أن يكون هذا المكان يعرفه، أن تكون هذه الأرض قد حملت خطواته يوماً.
أحتسي قهوتي مُرّة بلا سكر، أتركها كما هي، صادقةً في قسوتها… لكن طعمها هذه المرة كان أشد. ليس فقط لأنه رحل بل لأن شيئاً منه، هناك، كان تحت هذا الثقل.
أغمضتُ عينيَّ للحظة، لأدع خيالي يسافر إليه.
تركتُ خيالي يذهب إلى بعيد، لأرسم ملامح هذا الفتى الخيالي… فتى جنوبيّ الملامح، صلبٌ كالأرض، دفؤه يشبه الشمس. بشرته حنطية، فكّه محدد، أنفه مستقيم، وابتسامته نادرة، لكنها حقيقية حين تأتي. أما عيناه… فكانتا خضراوين، مثل ورق العنب حين يلامسه الضوء في أول النهار، ثابتتين لكنهما تخفيان قلقاً لا يعرفه أحد.
لكن هذه المرة، لم يكن كما تخيّلته سابقاً.
كان هناك ثقلٌ إضافي كأن الأرض التي خرج منها ما زالت تسكنه، حتى وهو بعيد.
أتخيله يمشي في شوارع بعيدة، حقيبته على ظهره، وحنيناً أكبر مما ينبغي. يحاول أن يقنع نفسه بأن الرحيل كان ضرورة لكن في المساء، حين تخفّ المدينة، تعود إليه بلاده فجأة ليس فقط كحنين، بل كقلقٍ حيّ.
هاتفي أضاء فجأة.
رسالة قصيرة منه.
لم تقل الكثير، لكنها كشفت ما لم يُقل. قرأتها ببطء، ووضعت الهاتف جانباً، وتركت الصمت يُكملها.
وفي داخلي، كانت الأغنية تعود:
يمكن حكوا العينين وبالسر توجّعوا
ارتبكت للحظة، ليس من الفرح، بل من هذا الثقل الذي يجمع بينه وبين كل ما يحدث. أسأل نفسي بصوت خافت: هل أحببته حقاً؟ أم أن هذا الوجع هو ما جعله أقرب؟
أرفع رأسي. المطر يهطل خفيفاً، قطراته ترسم خريطة المدينة على الزجاج. أتخيله معي في بيروت، بيننا خطوتان فقط. إذا اشتقتُ أصلُ إليه، وإذا اشتاق وجدني. لكن الصورة لا تكتمل لأن هناك مكاناً آخر، يناديه أكثر.
الواقع يعود دائماً.
هو هناك...
وأرضه… ساحة المعركة.
وما بيننا، لم يعد مجرد مسافة، بل وطنٌ كامل يهتز.
ومع ذلك، هناك شعلة صغيرة لا تنطفئ. كلما اشتدّ الخوف ازدادت وضوحاً، وكلما ثقل الواقع صارت أكثر صدقاً.
أغلقتُ دفتري بعد كتابة السطر الأخير، وامتد صمتي مثل نسمة على نوافذ لبنان. تساءلتُ في أعماقي: لو كانت هذه الحكاية واقعية، لو أن ذلك الفتى من هناك، فمتى تعود القصص الجميلة، متى يعود بلدنا إلى نوره، إلى دفئه، بلا أن تحمل ذكرياته أي ظل ثقيل؟ تركتُ السؤال يرفرف في الهواء، وأغلقتُ الدفتر، وأنا أتمنى أن تكون قصتنا القادمة كلها ضوءاً وحباً بلا حدود.