شهادة وفاء لمرحلة بناء المؤسسات في عهد الرئيس تبون

هناك لحظات في مسار الإنسان لا تشبه غيرها؛ لحظات لا يكون فيها الاسترجاع مجرد عودة إلى الماضي، وإنما وقفة تأمل أمام سنوات حملت في تفاصيلها معنى المسؤولية، وثقل الأمانة، وصدق الانتماء إلى خدمة الوطن.
فحين يغادر الإنسان موقعاً أسندت إليه فيه مهمة وطنية، لا يستعيد فقط ما أنجزه من أعمال أو ما شغله من مسؤوليات، بل يستحضر وجوهاً ولقاءات ومواقف ومحطات شكّلت جزءاً من مساره، ويستعيد قبل ذلك كله قيمة الثقة التي حملها، والأمانة التي اجتهد في أدائها.
ذلك أن بعض المراحل لا تُقاس بعدد السنوات التي تمر، ولا بالمواقع التي يشغلها أصحابها، وإنما بما تتركه من أثر في مسار المؤسسات، وبما تمنحه للإنسان من تجربة ومعرفة وإحساس أعمق بمعنى خدمة الدولة.
وإنني، وأنا أستعيد اليوم تجربتي في مجلس الأمة بعد نهاية عهدتي البرلمانية بهذا الصرح الدستوري العتيد، لا أستحضر مجرد سنوات من العمل البرلماني، ولا أستعيد فقط تفاصيل عهدة تشريعية، وإنما أستحضر مرحلة وطنية كاملة عشتها من داخل إحدى أهم مؤسسات الدولة، مرحلة كانت الجزائر خلالها ترسم ملامح جديدة لمسارها، وتعيد بناء مؤسساتها، وتفتح ورشات كبرى للتجديد والإصلاح.
كانت ست سنوات حملت الكثير من التحديات، لكنها حملت أيضاً الكثير من الاعتزاز؛ اعتزاز الانتماء إلى مؤسسة دستورية عريقة، وشرف الإسهام – ولو من موقعي – في مرحلة من تاريخ الدولة الجزائرية اتسمت بالحركة والتحول وبناء المستقبل.
لقد كان أول ما يترسخ في ذاكرتي من هذه التجربة هو معنى الثقة السامية التي حظيت بها من قبل السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بتعييني عضواً في مجلس الأمة ضمن الثلث الرئاسي سنة 2020، ثم تشريفي لاحقاً سنة 2021 بتحمل مسؤولية رئاسة المجموعة البرلمانية للثلث الرئاسي بهذه المؤسسة الدستورية العريقة.
وقد أدركت منذ اللحظة الأولى أن هذا التكليف ليس مجرد مسؤولية بروتوكولية أو موقعاً تمثيلياً، وإنما هو أمانة وطنية تفرض الانخراط الكامل في خدمة الدولة، والمساهمة في مسارها المؤسساتي، والعمل من داخل البرلمان على ترسيخ قيم الحوار، والتشريع المسؤول، والممارسة الديمقراطية البناءة.
كما كان الانتماء إلى الثلث الرئاسي داخل مجلس الأمة تجربة ذات خصوصية، باعتباره فضاءً دستورياً يثري المؤسسة بخبرات وكفاءات وطنية متعددة المشارب والتخصصات، ويمنح العمل البرلماني رصيداً إضافياً من التجربة والمعرفة، بما يعزز قدرة المجلس على مقاربة القضايا الكبرى للدولة والمجتمع برؤية أوسع وأعمق.
وقد جاء هذا التكليف في سياق وطني استثنائي، تزامن مع السنة الأولى من انتخاب السيد عبد المجيد تبون رئيساً للجمهورية في عهدته الأولى، بعد الحراك الشعبي الأصيل الذي عبّر عن تطلعات الجزائريين إلى مرحلة جديدة عنوانها التغيير المسؤول، وتجديد أسس الدولة، وإعادة بناء العلاقة بين المواطن ومؤسساته.
وفي خضم هذه المرحلة الوطنية الدقيقة، كانت تجربة العمل داخل مجلس الأمة مرتبطة أيضاً بمسار المؤسسة نفسها وبالتحولات التي عرفتها في ظل قياداتها المتعاقبة.
فقد كان للمجاهد السيد صالح قوجيل، رئيس مجلس الأمة السابق، دور بارز في قيادة المجلس خلال مرحلة ما بعد الحراك الشعبي الأصيل، وهي مرحلة اتسمت بحساسية الظرف الوطني وعمق التحولات التي عرفتها الجزائر، حيث أسهم بخبرته السياسية والتاريخية ورصيده النضالي في ضمان استمرارية المؤسسة وتعزيز حضورها في مسار إعادة بناء الثقة وترسيخ العمل المؤسساتي.
لقد شكلت رئاسته للمجلس امتداداً لتجربة رجل دولة عايش مختلف محطات تاريخ الجزائر، وحمل معه رصيداً وطنياً جعل من مجلس الأمة خلال تلك المرحلة فضاءً للحوار والنقاش، ومؤسسة حاضرة في مواكبة التحولات التي عرفتها البلاد.
كما تواصل هذا المسار مع تولي السيد عزوز ناصري رئاسة مجلس الأمة منذ سنة 2025، وهو الذي جاء إلى هذه المسؤولية محملاً برصيد معتبر في المجال القانوني والقضائي والسياسي، وبخبرة مؤسساتية عززت حركية المجلس وعمقت حضوره على المستويين الوطني والدولي.
وقد أضاف السيد رئيس مجلس الأمة، من خلال رؤيته ومنهجيته، ديناميكية جديدة إلى عمل المؤسسة، سواء عبر تعزيز دورها في النقاش الوطني، أو تطوير حضورها في مختلف المحافل البرلمانية، أو ترسيخ مكانتها كمؤسسة دستورية فاعلة تواكب مسار بناء الدولة وتساهم في تجسيد تطلعات الجزائر الجديدة.
وهكذا، عايشت هذه العهدة البرلمانية مساراً متكاملاً داخل مجلس الأمة، انتقلت خلاله المؤسسة من مرحلة إلى أخرى، محافظة على ثوابتها الدستورية، ومواصلة أداء أدوارها في خدمة الدولة والمجتمع.

مجلس الأمة في قلب مسار التجديد الوطني
ومن داخل مجلس الأمة، كان لي شرف مرافقة مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر المعاصر، مرحلة أطلق خلالها رئيس الجمهورية مشروع التجديد الوطني، وانطلقت ورشات كبرى للإصلاح مست مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتشريعية، في مسعى لإعادة بناء منظومة الدولة، وتعزيز فعاليتها، وتطوير أدواتها بما يستجيب للتحولات الداخلية والتحديات الإقليمية والدولية.
وكان حضور رئيس الجمهورية خلال هذه المرحلة حضوراً مؤسساتياً قائماً على تحديد الخيارات الكبرى للدولة، وإطلاق مسارات الإصلاح، ومتابعة تنفيذها، مع الحرص على جعل المؤسسات الدستورية شريكاً في النقاش الوطني ومواكبة التحولات التي تعرفها البلاد.
ومن بين الممارسات المؤسساتية التي ميزت هذه المرحلة، يبرز التقليد الذي أرساه السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون من خلال خطابه السنوي أمام البرلمان بغرفتيه مجتمعتين، باعتباره محطة دستورية وسياسية بالغة الدلالة، كرست ثقافة التقييم والمكاشفة والتواصل المؤسساتي، وجعلت من البرلمان فضاءً للاطلاع على مسار الدولة وخياراتها الكبرى.
فلم يكن هذا الخطاب مجرد عرض لحصيلة سنوية، وإنما شكل مناسبة لتقديم رؤية الدولة حول مسارها العام، واستعراض ما تحقق من برامج وإصلاحات، والوقوف على التحديات المطروحة، في إطار من المسؤولية المشتركة والتكامل بين مختلف مؤسسات الدولة.
وقد مثل هذا التقليد تجسيداً لمعنى التشارك المؤسساتي، باعتبار أن بناء الدولة لا يقوم على عمل منفرد، وإنما على تكامل الأدوار بين مختلف الهيئات الدستورية، وعلى جعل البرلمان شريكاً في النقاش الوطني حول القضايا الكبرى، ومطلعاً على الخيارات الاستراتيجية التي ترسم حاضر البلاد ومستقبلها.
لقد كان واضحاً أن بناء الجزائر الجديدة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مؤسسات قوية، ومنظومة تشريعية متطورة، وتكامل مسؤول بين مختلف السلطات والهيئات الدستورية، وهو ما جعل البرلمان بغرفتيه في صلب هذا المسار، باعتباره فضاءً للتشريع والنقاش والإثراء والرقابة.
كما شكلت المجموعة البرلمانية للثلث الرئاسي خلال هذه المرحلة فضاءً للعمل الجماعي والتشاور، انخرط أعضاؤها في مختلف ورشات المؤسسة، وساهموا في النقاشات التشريعية والرقابية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن المسؤولية البرلمانية ليست تمثيلاً شكلياً، وإنما حضور دائم في صناعة القرار العمومي وإثراء المسار المؤسساتي.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post شهادة وفاء لمرحلة بناء المؤسسات في عهد الرئيس تبون appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk