شكسبير: إِكشِف لنا أَسرارَك العشرة (8 من 10)
فترةً بعد فترة، يتَّضح أَنَّ وليم شكسبير (1564-1616) لا شبيهَ له ولا مثيل: فهو أَشهرُ كاتب عالمي على الإِطلاق في جميع اللغات. ومسرحياتُه هي الأَكثرُ تمثيلًا وتنفيذًا بين جميع الكتَّاب المسرحيين في العالم. سوى أَنَّ مَن يعرفون أَعماله، لا يعرفون الكثير عن حياته الخاصة والشخصية. لذا أَنشأْتُ هذه السلسلة من 10 حلقات، لأَكشفَ صفحات مطويَّةً من سيرته الشخصية.
في الحلقات السابقة سردتُ لمحة عن نشأَته، وأَحوال أُسرته، وأَوضاعها في البيئة الدينية، وكارثة الإِفلاس التي وقَع فيها والده، ونحو سبع سنوات ضائعة من سيرته، وانكسار حياته الزوجية، ومآسٍ عائلية أَطلع منها روائع مسرحية، والشك في كونه هو كاتب مسرحياته، وتأْثيره على مفردات اللغة الإِنكليزية.
في هذه الحلقة ما كان لمسرحياته من تمثيلها في لهجات مختلفة.
عروض شكسبير في لهجات مختلفة
قدَرُ شكسبير أَنَّ نصوصه مسرحيةٌ تُتْلى جهارًا على المسرح. فهو كاتبٌ مسرحيٌّ وليس روائيًّا تُقرَأُ نصوصه بصمت كما هي وكيفما هي مكتوبة. لذا كانت العروض تختلف في أَدائها التمثيليّ وفْقَمَا يصل الممثلون إِلى فكفكة نصه ("ماكبث" أَو "هاملت" أَو سواهما) كي يبلغ الجمهور، لأَن نصه الأَصلي، في لغة عصره المحكية، ذو لغةٍ قديمةٍ ومفرداتٍ محليةٍ قد لا تبلغ جمهورَها.
لَمَعاتُه لم تكُن تصل
هكذا مرَّت أَجيال من الناس ومسرحيات شكسبير (39، بينها 14 كوميديا) لم تكن حواراتها واضحة الفكرة واللمعة، وكان من المفترض أَن يفهموها ويحبوها. كانوا كمَن يقدِّم لهم صحن الحساء ويطلب منهم أَن يشربوه بالشوكة عوض الملعقة، فلا يستَطْعِمون منه إِلَّا قليلًا جدًّا. وبتلك اللغة القديمة يخسر الكثيرون من لَمعاتٍ كان يقصدها شكسبير في حواراته المسرحية. من هنا ساد القول إِن عروض مسرحياته كانت تختلف من جمهور مشاهدين إِلى آخَر، كأَنَّ منهم من يحضرونها في لغة مركَّبَة غير لغة شكسبير. وفي حين مرَّت من أَصليات شكسبير على أَيامه مقاطعُ كوميدية، كانت تصل إِلى الجمهور على أَنها جادَّة لا مكان فيها للمزاح الطريف ولا للضحك.
المشكلة في محكيَّته
كل المشكلة هنا هي في لغة شكسبير المحكية. ففي حين كتب معظم حواراته موزونة مقَفَّاة، لم يبقَ شيْءٌ منها في الكتابات اللاحقة زمانَه، وصولًا إِلى الصياغات المعاصرة اليوم. وهذا واضح خصوصًا في قصائده القصيرة التي فقدَت في صياغاتها اليوم كل أَثرٍ للوزن والقوافي، بسبب تغيُّراتٍ طرأَت مع السنين على اللغة المحكيَّة المحلية التي كان كتبَها بها، أَو أقَلَّهُ طرأَت على اللفْظ الذي كان سائدًا في عصره ولم يعد يُلفَظُ اليوم كما كان يُلفظ في إِنكلترا فترة 1600.
من هنا، عندما يُفَكُّ لفظ الأَصل، يعود شكسبير إِلينا كما كان كتَبَ وقَصَد، بنكاته في اللغة الإِليزابيتية القديمة، وبالقوافي التي كان يستخدمها تسهيلًا لإِيصال فكرته. لذا محكية شكسبير كان يختلف فهمها بين منطقة وأُخرى في جزر إنكلترا ومدنها بين جنوبها وشمالها والوسط.
ومع تطوُّر اللغة بعد نحو 500 سنة من زمن شكسبير، تطوَّرَت المحكية المحلية ولم يبق منها سوى بعض الملامح في المنطقة الغربية من البلاد.
محكيَّتُه في "العالَم الجديد"
كانت الفترة الاستعمارية الأَميركية الأُولى في مطالعها. وبعد ثلاث سنوات من وفاة شكسبير، وصلت الباخرة "ماي فلاوِر" إِلى الأَراضي التي صارت لاحقًا أَميركية. و"ماي فلاوِر"، هي الباخرة التجارية التي كانت، بين 1609 و1622 ناشطة في نقل عائلات إِنكليزية إلى ما كان يسمَّى "العالم الجديد". وسنة 1620 رسَت في "رأْس القُدّ" (شبه جزيرة في المحيط الأَطلسي عند الزاوية الجنوبية الشرقية من ولاية ماساشوستْس الأَميركية). وهي بلغت ذاك المكان بعد عشرة أَسابيع في البحر، وعلى متنها 100 وراكبان. ويقال بأَن اللغة الأَميركو-إِنكليزية انطلقت من تلك الجماعة الآتية بلغة شكسبير إِلى الولايات المتحدة.
إِنكليزية أَميركا
بناءً عليه، كان الانتقال من الإِنكليزية الوسيطة إِلى الإِنكليزية المعاصرة، استنادًا إِلى إِنكليزية شكسبير. ومع مرور الزمن، أَخذَت إِنكليزيته تَنتَشر تباعًا في الأَوساط الأَميركية.
الحلقة التالية: مسرحياته في زمانها كأَفلام هوليوود اليوم